ملاحظات حول قانون الانتخابات الجديد: المجتمع السوري لا يثق بوزارة الداخلية خصوصاً حين يتعلق الأمر بقوائم الجبهة ولا يثق كذلك بالقضاء

من حيث المبدأ، فإن أي قانون انتخاب جديد، مهما تضمن من أفكار وضمانات، لن يكون ذا قيمة، ما لم يترافق مع تعديل في دور وصلاحيات مجلس الشعب (وبدرجة أقل المجالس المحلية) وهو دور يحدده الدستور، وليس قانون الانتخاب، فالقانون يحدد لنا الطريقة التي سننتخب بها مجلساً يمثلنا، لكن الدستور هو من يحدد نتائج هذا التمثيل، والنقاش حول المواد الدستورية المتعلقة بمهام وصلاحيات مجلس الشعب، هو الخطوة التالية التي تحتاج لنقاش بعد الانتهاء من صياغة هذا القانون.

ـ الملاحظة الثانية تتعلق بالمادتين 34 و54، حيث تمنع الأولى بأي شكلٍ من الأشكال تسخير أو استخدام أياً من الوسائل والأدوات المملوكة للدولة، في الحملة الانتخابية للمرشّح، وتفرض الثانية عقوبات تصل للسجن ثلاثة أشهر على من يخالف هذا المنع.

وهاتان المادتان في معناهما العميق تشكلان الحل القانوني لضمان عدم تسخير إمكانيات الدولة لقائمة الجبهة، ولكن العبرة في هذا النوع من المواد تكمن في التنفيذ، ومن اجل الحرص على التنفيذ الأمثل لهاتين المادتين، فالقانون بحاجة لتوضيح أكثر حول حق تطبيق هاتين المادتين، إما بنص إضافي على كليهما، او في مادة منفصلة، حيث أن التعليمات التنفيذية قد تذهب لإعطاء الحق في تطبيقهما للجنة الانتخابية، وقد تعطيه للمرشحين الآخرين، وقد تعطيه للسلطة التنفيذية.

ولضمان نزاهة المادتين وبالتالي سحب احتمال الشك من النفوس، نقترح أن يضاف نص يعتبر كل ناخب صاحب مصلحة في حسن سير الانتخاب، وبالتالي يعطيه حق الادعاء أمام القضاء إذا رأى مخالفة للمادة 34 (على الأقل)، واعتبار مخالفة جهة حكومية ما لنص المادة ضرراً وقع على المواطن الناخب وليس على المرشح فقط.

ـ الملاحظة الثالثة حول المادة 19 والتي تتعلق بتحديد 50 % (على الأقل) من مقاعد المجلس للعمال والفلاحين، وحول هذا التحديد لدينا ملاحظتين:

* الفئات مرنة (بل مطاطة) وكلنا يعرف ما كان يجري عند تقديم طلبات الترشيح، حيث يختار المرشح الفئة التي تبدو له أسهل، ولطالما ضمت الفئة أ (الاسم المختصر للعمال والفلاحين) أطباء ومهندسين (لأنهم موظفون في الدولة، وفي إحدى المرات كان بينهم مدير صحة) وضمت أثرياء (لأنهم يملكون بضعة دونمات يستطيعون بسببها أن يكونوا فلاحين)  وشيوخ عشائر (لأنهم يملكون قطعانا من الأغنام أو يدعون امتلاكها من أجل الحصول على المقنن العلفي، وهم بالتالي أعضاء في اتحاد الفلاحين).

إذا وفق هذه الصيغة يستطيع محمد حمشو (أكثر أعضاء مجلس الشعب ثراءً) في الدورة القادمة أن يسجل نفسه في اتحاد الفلاحين بناءً على امتلاكه لمزرعة قرب دمشق، أو في اتحاد الجمعيات الحرفية بناءً على امتلاكه لورشة أغباني أو طاولات زهر (يستطيع شراءها في أي لحظة) ويترشح عن فئة العمال والفلاحين.

وبالتالي لا معنى للحفاظ على هذا التقسيم، طالما يمكن خرقه والالتفاف عليه بسهولة فائقة.

*تحديد كوتا هو إجراء يتم اللجوء إليه غالباً لتفادي واحدة من عيوب الديموقراطية (القليلة عموماً) وهو ضعف فرصة التمثيل عن شرائح ما موجودة في المجتمع بسبب مفهوم الأكثرية الحسابية، فيتم تخصيص كوتا لفئة اجتماعية ما  لضمان تمثيلها، لكن هذه الفئة عادة ما تكون (النساء، أقلية دينية، أقلية عرقية….) وهو إجراء يتم اللجوء إليه اضطراريا حين لا ينفع أي إجراء آخر (مثل تصغير الدائرة الانتخابية إلى الحد الذي يضمن تمثيل جميع الفئات) وهو بمعناه العميق قرار تفرضه النخبة حين ترى أن العامة لن تكون عادلة بما يكفي.

لكن العمال والفلاحين هم الأكثرية في سوريا (وفي أي بلد في العالم) وإذا لم يكونوا قادرين على إيصال ممثلين عنهم إلى مجلس الشعب، فهم لا يستحقون أي مساعدة في تحقيق ذلك.

ـ الفصل الثاني المتعلق باللجان الانتخابية ونقل صلاحية الإشراف على الانتخابات من وزارة الداخلية ومجالس الإدارة المحلية إلى القضاء، نظرياً خطوة صحيحة وبديهية، لكن العبرة بالتنفيذ، فالمجتمع السوري الذي لا يثق بوزارة الداخلية (خصوصاً حين يتعلق الأمر بقوائم الجبهة) لا يثق كذلك بالقضاء، وبالنسبة له فهذا مثل ذاك، ونحتاج لتجربة أو تجربتين بتنفيذ صارم لدور نزيه للقضاء في الإشراف على الانتخابات حتى نستطيع أن نقنع المواطن أن شيئاً ما قد تغير.

الفصل الثالث الذي حدد الدوائر الانتخابية وحافظ على التقسيم القديم باعتبار كل محافظة دائرة انتخابية واحدة (باستثناء حلب التي قسمت لدائرتين) وهنا مجال واسع للنقاش، فحين تحدد الدوائر الانتخابية تكون قد حددت نصف النتائج، وكل صيغة يتم اختيارها في هذا الشأن تعطي برلماناً مختلفاً. ولكل صيغة سلبياتها وإيجابياتها، ونتمنى أن تحظى هذه النقطة بنقاش عميق وتستهدي بآراء كثيرة ومتنوعة، كي نصل من خلالها إلى الصيغة المناسبة لمجتمعنا والمفيدة لمستقبل بلدنا.

الصيغة الحالية (المحافظة دائرة) تحقق فرصة اكبر لنجاح قائمة الجبهة (وربما كانت هذه ميزتها الوحيدة)، وسنقترح هنا ثلاث صيغ أخرى نأمل أن تأخذ حقها من النقاش:

ـ دائرة النائب الواحد: إن لم يصدر قرار بزيادة عدد أعضاء المجلس (وكثيرون يرون أن لا داعي لذلك) فإن نسبة التمثيل حاليا تقترب من نائب لكل مائة ألف مواطن، ووفق هذه الصيغة يتم تقسيم سوريا لـ 250 دائرة انتخابية عدد سكان كل منها 100 ألف مواطن (تقريباً) (أي 50 ألف ناخب بسبب الشرائح العمرية للمجتمع السوري) يتنافس فيها المرشحون على مقعد واحد، ولهذه الصيغة ايجابيات وسلبيات، فهي لا تحتاج من المرشح لإنفاق إعلاني كبير،

وبالتالي تقرب المنافسة بين المرشحين بغض النظر عن ثرائهم وقدرتهم على الإنفاق، وهي تعطي أيضاً لفئات وشرائح اجتماعية ودينية وقومية فرصة للتمثيل قد لا تتاح ضمن الدوائر الأكبر، وتنتج وجوهاً معروفة في بيئتها الاجتماعية، ولكن وفق معايير هذه البيئة (ولهذا ايجابياته وسلبياته أيضاً)، وستوصلنا هذه الصيغة لبرلمان يمثّل الناس كما هم، ينقل همومهم ومطالبهم، ويراقب السلطة التنفيذية من زاوية علاقتها بالناس، لكنه لن يكون قادراً كما يجب على القيام بمهمتي التشريع ورسم الاستراتيجيات،

ولن يكون معبراً بدقة عن الخارطة السياسية بعد نشوء الأحزاب، لأن الناخبين وفق هذه الصيغة سيفضلون (الآدمي ابن الناس) على السياسي والمفكر والرؤيوي، وسيفضلون (ابن حارتنا وعائلتنا وعشيرتنا) على (المثقف والفهيم).

ـ الدائرة الواحدة: تقوم هذه الصيغة على اعتبار سوريا دائرة انتخابية واحدة، وتتنافس في الانتخابات وفق هذه الصيغة الأحزاب والكتل السياسية، عبر قوائم كبرى تضم (غالباً) عدداً من المرشحين يساوي عدد المقاعد (250 مقعد حالياً) ومن إيجابيات هذه الصيغة أن القوائم الحزبية عادة تراعي تمثيل جميع الفئات (نساء، طوائف، قوميات، طبقات، مهن، مناطق…) وتنتج برلماناً ذو توجهات استراتيجية، يخطط للبلاد بشكل عام (وفق البرامج السياسية للأحزاب)،

ومن سلبيات هذا الصيغة أن البرلمان الناتج عنها قد يكون بعيداً عن الهموم اليومية للناس ومطالبهم الحياتية، والحملات الانتخابية من خلال هذه الصيغة كبيرة ومكلفة وتمتد على جميع الأراضي السورية، وهو يقلل من فرصة نجاح الزعامات المحلية (العشائرية والعائلية والمناطقية والطائفية).

وتختلف الدول التي تتبع هذه الصيغة في تحديد الناجحين، وأكثر طريقتين شيوعاً هي النسبية التي تقتضي بوصول نسبة من مرشحي كل قائمة تطابق النسبة التي حصلت عليها القائمة مجتمعة في الصناديق، والنسبة الفائزة هي الأسماء الأولى في القائمة (وهي صيغة بالغة التعقيد وقد تم اعتمادها في الانتخابات العراقية الأخيرة وأدت لما أدت إليه)، والطريقة الثانية تقتضي بنجاح المرشحين الذين حصلوا على أعلى الأصوات بأسمائهم الفردية بغض النظر عن القوائم التي ينتمون إليها.

ـ الصيغة الثالثة: هي الجمع بين الصيغتين الأولى والثانية، ويتم بموجبها تقسيم مقاعد المجلس إلى 126 دائرة انتخابية، 125 دائرة انتخابية تضم كل منها 200 ألف مواطن وتنتخب نائب واحد عن كل دائرة لتشكل نصف أعضاء المجلس، والدائرة الأخيرة هي كل سوريا ينتخب بموجبها النصف الثاني من أعضاء المجلس (125 مقعداً) وهي التي ستشكل من خلالها القوائم الحزبية، ووفق هذه الصيغة يدخل الناخب إلى المركز الانتخابي ليختار (على ورقة واحدة أو على ورقتين) نائباً عن منطقته و125 نائباً عن عموم سوريا.

ووفق هذه الصيغة سنكون قد أمنّا تمثيلاً جيداً للناس وتمثيلاً كافياً للأحزاب، ووصلنا إلى ايجابيات الطريقتين، وحصلنا على برلمان ذو تمثيل متنوع.

وقد تم اعتماد هذه الطريقة في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة (والتي فازت فيها حماس بعد أن حصلت على أغلبية الدوائر الصغيرة وأقلية في الدائرة الكبرى).

العنوان الأصلي للمقال: صحيفة سورية عن قانون الانتخابات: الفئات مطّاطة والدوائر تحدد نصف النتائج والعبرة في الدستور

صحيفة الخبر 5/6/2011

شاهد أيضاً

الأولوية لإعادة المهجرين إلى منازلهم القابلة للسكن

شام تايمز – متابعة أكد محافظ دمشق “عادل العلبي”، أن العمل جار لإعادة المهجرين إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.