الأبيض والأسود

حالة العماء، ولادة الضوء، وعلاقتهما العلمية بحادثة الانفجار العظيم؛ الذي كوّن الحياة المعرفية، ونشأة الأرض الملتهبة، والسماء الدخانية الداكنة، وحاجتهما لزوال ما حولها، في انقشاع الغمامة السوداء، وظهور النور المختلف عن الضوء، أي تشكل حالتي الأسود والأبيض، تلك العلاقة المسؤولة عن السلوك الروحي التي سكنت المقدس،

المتحدث عن الحادثة الثانية: الفتق والرتق، وكلتا الحادثتين أي العلمية والروحية المقدسة، تتشابهان في أن ذلك الإنسان القديم احتاج للحظة بدء للكون والخليقة، كمرتكز لانطلاقته، فأوجد نقطة بدء كانت له بمثابة الصفر، وهي الأرض الخالية، لتهبط عليها النقطة فيظهر الواحد المتسلسل،

كما يتجلى بداخله المكوّن الكلي الأزلي الأحد الروحي، يعتبره مرتكزاً لولادته الكونية، بكونه الوحيد القادر، وهو الإنسان على صناعة الحياة المادية؛ التي قلد بها الحياة الروحية الكلية، والموزعة بشكل دقيق على الموجودات الحية، التي دخلت فيها، وسكنتها إلى حين تتنقل فيما بينها،

فظهر وجودها الذي أدركناه نحن جنس الإنسان بنوعيه: الذكر والأنثى، بفضل ذاك الانبلاج المنبثق من الظلمة كلّ صباح، نور أو ضوء أبيض يرينا الحياة، ثم يعود ليدخل في الأسود كي نرتاح مؤقتاً، ثم يدخل فيه بعد حين في رحلة اللاعودة إلى أن يشاء هو،

أي: الكلي المحيط الأزلي السرمدي موجد الأبيض والأسود، وبدقة: الليل والنهار، طبعاً جدلية قائمة دائمة، قادمة من ذاك الحضور الأزلي. الليل والنهار أقصد الأسود والأبيض يتعلقان بسؤال كبير حول الدجاجة والبيضة، أيهما سبق في ولادته ووجوده، التي شغلت علماء ليس العصر الحديث فقط؛ وإنما كافة العصور،

ومنذ النشأة الأولى بكونهما ظاهرتي الحياة الكونية، كما تحدثنا عنهما، استندت إليهما ورسمتهما كمتلازمتين لا تفارقان الحياة أبداً؛ بل الحياة التي اختصت بالأجناس الحيّة تفارقهما، تتجدد وتأتي دائماً بقادم جديد أو تتجدد، بحكم العمر المحكوم ضمن الزمن المقدر لكل جنس من أجناسها الحيّة، والمتحرّكة، أو الصنعية من الجوامد، أمثال المادة الصلبة وأشباهها، كالفيزياء والكيمياء،

ومنه نجد أن الأسود راحة النفس، والراحة قادمة من الروح؛ التي تحتاج بعد الاجتهاد وتسجيل الحضور الحقيقي، أو الاعتيادي أو عدمه إليها، إذن، يحمل السكن والاستكانة، كي يلد أو يلج الأبيض صاحب الألق، والصخب والضجيج، والحركة والفعل والانفعال،

وأيضاً من أجل أن يرى العقل الأخضر، ويميِّز بين الأبيض والأسود من الأفعال، وهما الخير والشر، وانتقاء المسارات، مبعداً عنه السلبي والسيئ، سؤال: كيف يحترم الإنسان صاحب العقل ذاته التي لا يراها، بكونها تعيش ضمن ظلمة الأسود، وهو ما يسمى العقل الباطن، فإذا أسقط الأبيض عليها، واستطاع أن يراها، يحترم حياته وحياة الآخرين،

ففي الأسود تكمن راحة البشرية المؤقتة والأبدية، وللعلم: إن جميع الألوان طبعاً دون اللون الأسود تتحد في الضوء الأبيض، وتخرج كما تحدثنا وترتبط به، بكونها ليست من خواص الأجسام؛ إنما من آليات الانعكاس القادمة من الحزمة الضوئية، والمدخلة من أشعة الشمس.

من منّا تأمل لحظات دخول الأبيض في الأسود أي غروبه، وتابع ذلك الشفق الأبيض لحظة ولادته وخروجه من نفق الظلمة الأسود؟ هذه الولادات الثابتة ما هي علاقتها مع الإنسان العقلي، والحيوان الحسي، والنبات التنموي والجماد الأزلي، واتساع الكون وانكماشه بحسب نظرية الثقوب السوداء، والأبحاث التي تجري حولها،

وهل ستبتلع هذه الثقوب الكون في لحظة بحكم انضغاطها اللامادي المتحول إلى مادي، ومن ثم ستعيده في حالة الانفلاش، أم أن الأبيض سيخترقها بقوة سرعة الضوء، ويستمرّ الكون في اتساعه إلى مالا نهاية، أي ما علاقة الحياة الكونية في جملتها الأولية والنهائية بهذين اللونين؟

أي البداية والنهاية، واختراق بعضهما، ومواكبتهما لبعضهما، هل هما متساويان كتلةً وحجماً وسرعةً، مَن يتفوق على مَن، كيف ينجح الضوء الأبيض في اختراق الأسود مختزلاً مساحته، وما هي مغريات الثقوب السوداء المستقطبة للأبيض وهي تحدِث المساحات في داخلها، ومن ثم إعادة إنجابها،

كيف حلل نيوتن الضوء الأبيض ضمن موشوره وقطعة الزجاج حينما أسقط الحزمة الضوئية، وتابع انفراد أشعتها الملونة، والتي حملت نظرية قوس قزح، أي: الأبيض يخترق قطرات الماء فتظهر ألوانها السبعة، وجميعها دون الأسود، كيف تميّز العين الألوان؟،

إن العين لا تستطيع اختراق أيَّ شيء، فهو يأتيها على شكل ترددات تراها سوداء، أرجو منكم وأنتم تتابعون بحثي الذي تقرؤونه أن تدخلوا عالمكم، وتحللوا ما تقرؤونه محدثين التمايز بين الأبيض والأسود.

ما الفرق بين الأبيض والأسود، وإلامَ يرمز اللونان، وما علاقة تلك المعادلات الحياتية بينهما، ومن أين ولجنا إلى الحياة، ولماذا بكينا لحظة دخولنا عالم النور، أي عالم الأبيض، أين هي الصعوبة، وأيهما أقوى، ومن سينتصر في النهاية: الأبيض أم الأسود؟ بالتأكيد خرجنا من الظلمة إلى النور، وإليها نعود، ما هو سرّ التابو الذي يسكن التابوت؟.

لماذا يبكي جنس الإنسان لحظة دخوله عالم النور (الأبيض)؟، وإذا لم يبك يدعى إلى البكاء بطرق شتى، هل من أجل معرفة أنه حيّ ويستحق الحياة، أم من أجل مغادرته عالم الظلمات (الأسود)؟

أم من أجل معرفته وإدراكه وعلمه بأنه عائد إليه لا محالة، هل تتوحد الألوان في القلوب؟ أقول: نعم من أجل مقارعته للأسوَد المظلم الذي ترفضه بحبٍّ، راغبة في الحب، والعشق، والإخلاص، والعطاء، والسخاء، كارهاً الخيانة، والغدر، والعبث، واللهو في الظلمة،

أي في السواد، فعندما دخل يونس الرسول عليه السلام بطن الحوت، وصار في لجة سواده وظلمته وشاهد الموبقات، رفض التعايش معها مغادراً إيّاها حينها لفظه حوته، أي الأسود بكون الحوت يعيش في العقل، كرمز للّون الأسود والتابو، وأودعه الحياة التي أخلص لها فأخلصت له، وانتظره بجماله الافتراضي المتكون في داخله عالم النور.

إنك قارئي العزيز وصديقي الإنسان الجميل المحترم إن استطعت، وأخمّن أنك قادر على اختراق الأسود ستلج عالم النور الأبيض، فمن منّا أدرك ذاك التأمل الغرائبي لحظة غروب الأبيض، المتوضّع ضمن الكرة المذهبة، مرسلة أشعتها التي اخترقت موشور نيوتن وألوانه، المتشكلة من ذاك الأبيض، المتجمعة بجمالها كي تدخل الأسود تخترقه، محدثة انبلاج النور والتخلّق بالقيم والسلوك الإنساني،

سؤال آخر ضمن الأسئلة التي أطرحها: ما الفرق بين الضوء والنور والأبيض؟ أجيب ضمن علمي النسبي الذي منحني إياه الكامل الكلي، العالم العليم بكوني ما أوتيت من العلم إلا قليلاً، لذلك عرف الإنسان النور بشكله الأبيض الناصع الضوء، واحتاج للضوء الإضافي، فاخترعه له أديسون، والنور مخلوق كائن لا مادي، أوجده صاحب النور، والأبيض جمْع يتجسد به لون التضاد كي يكون مقابل الأسود.

الأبيض والأسود، الليل والنهار، الخير والشرّ، الظلمة والنور، الهدم والبناء، التكوين والانفلات، عالم الجنين المظلم وعالم الظهور على الحياة، ومن ثم عالم الدخول إلى البحث من أجل حدوث الولادة النهائية الافتراضية في العالم الآخر،

أعني أن مربّع الحياة ظلمة في الرحم نور في الحياة، ظلمة في القبر نور في الحياة الأبدية، هنا نتفكر بأن النور وُلد من الظلمة، أي أن الأبيض انبثق من الأسود، وأن البيضة من الدجاجة، والخير أولاً ومن ثمّ الشرّ والبناء أولاً من ثم الهدم، والتكوين أولاً ومن ثم الانفلات،

نتوقف هنا لنسأل: ألم يحتج كلّ هذا إلى تلك النقطة البيضاء كي يحدث التكوين، ألم تُغرس أو تُزرع في الظلمة كي تتكون، وتمتلك قوة اندفاعاتها كي تشق طريقها إلى النور، أو تفلق الصخرة أيضاً من أجله، أو تفتح الرحم كي يخرج منه الجنين، يتحول إلى وليد، يتفاعل مع عالم النور الأبيض، كل ذلك يخرج من تلك الظلمة التي تجسّد ضرورة المرور بها من أجل الولادة، وبمعنى أدق: كامل الموجودات تنبثق من الظلمة، وتجتاح عنق الزجاجة المظلم.

في ذلك العالم القديم الذي أنجز أُسس العبادات، وشكّل منها مفاهيم السلوك، وصاغ معها قواعد المحرّم والمقدّس، كان كلّ شيء منفتحاً على الاستكشاف، لك الحق أن تتجوّل وتفعل، تخطئ وتصيب من أجل معرفة النور الأبيض الذي يسكنك، كانت المعابد في ذلك العالم دائرية، وكان داخلها مظلماً إلى أقصى درجات الظلمة،

حيث أنك حينما تدخل إليها لا ترى شيئاً، وحولها دكاكين الجنس التي بها كلّ ما تشتهيه، أو تتخيّله من ممارسات عاقلة أو شاذة مع الحيوان مع الإنسان، مع الأنثى مع الذكر، مع الكبير مع الصغير، والطعام والشراب بأنواعه أيضاً، بما فيه من أنواع الخمور، لماذا كان التصميم كذلك، وعليك بالدوران حوله، طبعاً النفس تهوى وتشتهي وتتمرّد على عقلها،
لذلك كان عليك أن تشبعها أولاً، ومن ثم تدلف إلى داخل المعبد المظلم الأسود، وعليك أن تجد نورك ضمن هذه الظلمة، فإذا وجدته وجدت ذاتك الممنوحة لك من إلهك، فتخرج في حالة صفاء أبيض، ومهما كان لونك سيعتري وجهك النور، وكأنك تخرج من الظلمات إلى النور، ومنها تدحرجت الأفكار حول الأبيض والأسود، إلى أن تجسّدت في الأشكال الروحية الثلاثة بمعابدها المتشابهة في التصميم والجوهر، والمختلفة في الشكل والمظهر،

إن أيّ معبد تدخله سواء كان كنيساً كنيسة أم مسجداً تدخله بقدميك ومن قدميه، بكونه مصمماً على شكل الإنسان الممدد، فأيّ معبد هو جسد إنسان، أو هيكله، تأمل دخولك ستجد الشكل الإنساني المستقيم، أي المسطح بتصميمه الكامل إلى أن تصل إلى محرابه أو المذبح، حيث الرأس، وكلّ ذلك صُمّم من أجل اكتشاف طاقة الصفاء والوصول إليها، أو إجراء عمليات التصفية التي تخلّصك من الشوائب، والشوائب دائماً سوداء تقع على الأبيض الساكن ضمن الأسود،

فكيف بنا نقارب ذلك ونحن جنس الإنسان، نبحث فيه وعنه، وأيضاً نحن الذين أوجدناه بعد وجودنا، كم هو التأمّل مهمّ، بكونه يعطي للتفكر الفكر الخالد؛ بل أكثر من ذلك الكثير من الأفكار.

لنلاحظ أن البدء كان من الأسود، ظهر الأبيض حيث ينتهي في الأسود، ومن ثم يبدأ الأبيض، النقطة تدخل الأسود لتخرج منها ولادة، ثم تنتهي بعد رحلة عيشها المقدرة في الأسود؛ الذي يعيش فيه العالم الأبيض الافتراضي في دورات شكلها معادلات (الأبيض + الأسود = تكوين جنين وجذور، الأسود + الأبيض = حياة حيّة، الأبيض + الأسود = حياة افتراضية)،

بمعنى أدق: النطفة أو البذرة حينما تدخل الرحم المظلم الأسود، أو تُغرس تحت التراب يتشكل منها جنين أو تمهيد لظهور الحياة، الأسود هو الرحم الأرض الأنثى أو الأنثى الإنسان، وباقي المخلوقات الحيّة بكونها تمتلك أنثى وذكراً، فكلّما كان الأسود صحيحاً وسليماً وتتم رعايته بدقة فإنه يحمي الأبيض الذي سيخرج منه حياً، أي الحياة الحيّة، وحينما تنتهي رحلته المقدرة يعود الأبيض ليدخل في الأسود،

أي في رحم الأرض من أجل الولادة الجديدة في العالم الافتراضي عالم الأبيض، حتى المادة الخام: كالذهب والفضة والحديد والنحاس والنفط والغاز لا بدّ حين استخراجها أن تغادر عالم الأسود إلى عالم الأبيض، حيث تنتهي في عالم الأسود، فتعيد تشكّلها من جديد في عالمها الافتراضي؛ الذي تنتظر به دورها في ولادة جديدة.

إنها العلاقة الجدلية القيّمة على حياتنا وكامل الحيوات الأخرى، ضمن عالمنا، وعوالم نحاول أن نعلمها ولا نعلمها، نمرّ بها أو تمرّ بنا، وحينما استوقفنا عنواننا كانت غايتنا قد بلغت ما بلغت من البحث عنه، والغرض إيجاد تواصل بيننا وبينه، فهل نحن الأبيض الحقيقي، أم من الممكن جداً أن يكون في الأبيض أسود، أو أن ينجب الأبيض خليطاً فكرياً؟ أليس الشرّ والغيرة، والحسد، والنميمة، والضغينة، والحقد، والكره، والمكر، والخداع، والكذب سلوكيات سوداء، تعيش ضمن الأبيض القادم من الأسود،

أي هل من الممكن أن ينجب الأبيض الذي ينمو ضمن الأسود أسودَ فكرياً، يكون مقابل الحبِّ الأبيض الدائم الفعّال الأمين الصادق؟ طبعاً وجوده حقيقي، أي وجود الأسود أمام الأبيض بشكل دائم، كي يمنع ظلمته وظلامه وسواده، والذي يحاول أن ينشره كي يسود عالم الشرّ والظلمة،

حينما يعمل المرء بشكل مخالف نقول عنه إنه يعمل بالأسود، وكل المخالفات الحياتية الروحية والمادية تعني الأسود، والإنتاج السليم يعني العالم الأبيض.

في التحليل النهائي لجدلية الأبيض والأسود نقول: إنها عملية ثنائية امتلكت فعل العلمية الجنسية وحقائقها المكتشفة على خريطة الجينات الإنسانية، فأنجب ما أنجب في هذا الكون الرائع والجميل،

ولذلك نجد أن اللون المفضل لدى الأنثى هو الأسود تحمله في مخيلتها الصامتة لا تبوح به، وكأن به سراً من أسرارها التكوينية، بكونها تتشابه مع الظلمة في داخلها الذي يضمّ الأبيض إليه يستقبله، بكون الرحم الذي تمتلكه مظلماً،

لذلك نجد من باب الدعابة: أن الأنثى تلبس الأبيض لحظة الزفاف، وتتباهى به، والرجل يلبس اللون الأسود، أو الألوان القاتمة ضمن عملية فلسفية جوهرها تبادل في المظهر وحقائق في الجوهر، ومنه تلد الحياة، ولذلك نجدها منجبة الإنسان، وبدونها لا استمرار، وبدون الأسود لا ضوء ولا نور صاحب ولادته المتأمّلة، والمتفكرة، والعالمة من علمه، المسؤولة عن مواصفات العمل لذاته ولغيره ولمحيطه أياً كان من أجل الحفاظ على الكون أولاً، الذي إن حفظناه حفظَنا، واتسع لنا ولغيرنا،

لذلك أدعوكم بأن لا نشوّه الأبيض الذي يرينا حقيقة الأشياء، فنستوضح به كامل علاقاتنا الحقيقية وغيرها، وأن نحافظ على سكون الأسود كي لا يبتلعنا أو يهاجمنا، فيأخذنا في وضح اللون الأبيض، ومهما كنّا عليه إلى غير رجعة، لذلك كانا متساويان مثل الليل والنهار، احتاج الإنسان للأبيض المضاف فاخترع ضوءاً اصطناعياً كي يرى الظلمة في الظلام، ويزيد رؤية بياض الأبيض في النور.

د.نبيل طعمة

شاهد أيضاً

الأسطورة

أُنجزت في ذلك العميق من مساحة الزمن القديم؛ الذي أوغل فيه إنساننا القديم المبدع وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.