المعاق

كنْ أياً كنت على سلّم الطبقات الاجتماعية، وبما أنك كامل الصورة الجسدية والعقلية أدعوك للتفكّر: أنك وأني بمفردنا قليل، إذاً، أنا وأنت وهو وهي معاقون، بكوننا نحتاج إلى بعضنا، ودون ذلك لا نستطيع العيش والاستمرار والبقاء، ولن يكون لنا في الحياة أيّ نجاح، أحتاجك وأحتاجها وتحتاجني ويحتاج بعضنا بعضاً.

من هنا أبدأ القول: ليس ذاك الذي أصيب بحالة مرضية؛ أدت إلى ظهور التباين الواضح بينه وبين الآخر الكامل في الشكل المرئي للإنسان، صاحب العقل الحركي؛ الذي ارتكب خطأً أدى به لحصول التمايز، كما أنه ليس بذاك الذي أصيب أثناء مراحل العمل نتيجة أيّ نوع من الحوادث الطبيعية، أو الاصطناعية، أو القاهرة التي نطلق عليها “إصابة العمل”،

وليس أيضاً من ظهر عليه المرض العضال مبكراً أو متوسطاً أو متأخراً ضمن مراحله العمرية، أو رافقه حتى النهاية، وليست هي أو هو الوليد الذي حمل نقصاً مناعياً ما، أو خللاً جينياً أدّى إلى ظهوره في حالة منعته قسراً من القيام بمساعدة نفسه أو الآخر واحتاج لمعونته ومرافقته من أجل تسهيل أدائه لوظائفه الحياتية الطبيعية،

كما ليس هذا الذي فقد عضواً من أعضائه الظاهرة: قدماً- يداً- عيناً- أذناً- أو حاسة من حواسّه السبع: اللمس- الشمّ- التذوّق – النظر- السمع- العاقلة- والناطقة، قدرياً في المنهج العام، أو ظرفياً: مكانياً زمانياً في الخاص، ومجموع كلّ ذلك اعتاد العامة أن ينسبوه إلى القدر، وعدم القدرة على فهم أسبابه، فالقدري ولادي علاقته بالمورّثات، واتحاد الصيغ وظروفها الثابتة والمتحولة XX الأنثى وXY الذكر.

من هو المعاق، هل نحن معاقون، وأقصد: الإنسان التام، أم ذاك المصاب بنوع من أنواع الإعاقة: جسدية أم عقلية كاملة؟، فتأخر النمو العقلي أو الجسدي الولادي، وفقدان الثقة بقدرة المعاق على فهم إدراك محيطه، والتفاعل معه؛ يعني أننا نحن المعاقون، بكوننا لم نستطع استيعاب مفاهيمه وتصرفاته؛ التي ننفي بأقوالنا مسؤوليته عنها، نوجه اللوم له لا لأنفسنا مع إيماننا العميق بأنّ كلّ ذي عاهة جبار.

وجميع ما ذكرته من أنواع الإعاقة التي يلبس ثوبها المعاق بسيطة وبديهية رغم الآلام والأحزان؛ التي تسببها لمحيطه، أسرته، مجتمعه، وأمته، والعواطف الجياشة الناتجة عن التأثر بالنظر إليها أو التفاعل معها، فتدفع المتبصّر بها إلى الاعتراف بأننا نحن المعاقون، وليس أولئك الندرة بالنسبة للكثرة.

لنتوقف هنا للإطلالة معاً على أنواع الإعاقة التي توقف عجلة التطور، وأكثر من ذلك تؤخّره، ومنها: الخوف، الجهل، عدم الثقة بالنفس، عدم امتلاك الوعي، وعدم الأخذ أيضاً بمفاهيم التوعية، وكلّ ذلك ناتج عن عدم التطور وتطوير الإرث والموروث، فالمعاق يرى أننا نحن المعاقون، بكونه يرى ما لا نرى، ويفعل ما لا نفعل .

أؤكد على المعاق الجنيني، لا ذاك الذي فقد عيناً أو قدماً أو يداً، أو قطع طريقاً أو عرقل بحثاً علمياً على كلّ محاوره، وأبحث في أولئك غير المتشابهين معنا؛ الذين لم يستطع العلم بكامل قوته وما وصل إليه أن يوصلهم إلى مرتبة الأصحاء، ويعمل البحث العلمي جاهداً لفهم مرض المنغولي مثلاً، أو المتوحد، أو ذي الشلل الرباعي، أو أصحاب نقص النمو في الغدد، وأسأل ما بداخلي كيف ينظرون إلي، وأسأل أيضاً: هل تتساوى حاجاتهم بحكم إعاقتهم مع حاجاتنا؛ بحكم كمالنا بالصورة التي ننظر إليهم من خلالها؟.

في اللغة أعقْتُ الشيء منعته من الاستمرار والتقدم، فإذا قمت بمساعدته، هل أنا أساعده أم تساعده ذاته الكلية، بكونه جزءاً منها، أي من روحه، حيث يحوِّل الإعاقة الظاهرة لنا إلى جوهره المضاعف،

وبدقة أكثر: ساعدته ذاته، والتعريف الاجتماعي الذي ينظر به إليه العقل، هو ذاك الشخص الذي يختلف عن المستوى الشائع للظهور الإنساني في المجتمع؛ من خلال تملّكه لصفة واحدة، أو قدرة شخصية ظاهرة أو مخفية على المظهر أو في الجوهر، تتوافق مع إمكاناته وصورته التي هو عليها ضمن الحدِّ الأقصى التي يمكن أن تكون صورته عليها دون فهمنا، ومهما اجتهدنا في البحث للوصول إليها لن نستطيع ذلك، ولو عملنا بكامل قدراتنا العقلية والعلمية الباحثة فيها، لأننا نعيشها على شكل التخيّل، ونظرية الاحتمال، أي ربما يكون فهمها من باب الأمنيات .

ينبغي الانتباه كثيراً إلى المعاق الفطري، أي: القادم من ظروف ولادية لا يتحكّم بها الإنسان الكامل الصورة، وبذلك حالة روحية نادرة، تستدعي التقرب إليها والاهتمام بها؛ لا النفور منها والهرب والابتعاد عنها، ففي هذه الشخصيات قوى روحية هائلة وكامنة، أطلق عليها – إن أُحسن التعامل معها- (أرواح البركة والكرامة)،

ولاشك أن رعايتها والحفاظ على أدبيات التعامل معها يؤدي إلى الخير العميم والمديد، وأن معاملتها بسوء يعني انقطاع الخير، والتفاعل الإيجابي معها سِفر من أعراف التاريخ الإنساني، لجأت إليه القوى المادية الخيّرة، والسلطات العائمة على سطح البشر لإيمانها العميق بأن هؤلاء من ملائكة الخير منتشرون على وجه كوكبنا الحي، يحفظون لنا – حين اهتمامنا بهم- كرامة وتواصل حضورنا .

الأبواب مغلقة، والهموم موزعة فيما بيننا، فهل هناك من سويٍّ كامل أمام معاق نراه في النظر ناقصاً؟، وفي حقيقة الأمر ضمن آلية التبصّر والبصيرة هو الكامل، ونحن من يمتلك النقص، لذلك نسعى جاهدين للكمال ما عشنا؛ والذي لن نصل إليه، أدعوكم أيها السيدات والسادة لفهم ومساعدة المعاق، ومعرفة المعاق، وما يعوق استمرارنا وتطورنا.

د.نبيل طعمة

شاهد أيضاً

رأس السنة

ينبلج من رحم الحياة، يكرّر حضوره مع آخر ليلة من تلك الأنثى السنة؛ التي نتعايش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.