فيما مضى كان من يُقدِّم لضيوفه “الكولا” أو “السفن أب” بدل “التانج” المُهرَّب، أو عوضاً عن العصير الطبيعي المُعلَّب، يكاد يخجل من نفسه لضيق حاله، وعدم قدرته على إكرام من يستضيفهم كما يُحِبّ، وإذا صادف واستضاف معارفه على الغداء من دون أن تحوي أطباقه على اللحمة الحمراء حصراً، فإنه وجهه قد يبقى أسوداً لفترة طويلة أمامهم، وإن كانت البزورات والموالح التي يُقدِّمها خالية من الفستق الحلبي والكاجو، أو على الأقل لا تحوي على بزر القرع مع الملوحات المُدخّنة، فإن ضيافته تُصنَّف في عِداد الضيافات المتواضعة…
لكن كما يقولون “زمان أوَّل تحوَّل”، فالآن من يقدم لك “الكولا” بات يقع في خانة “الأكابر”، بعدما صار سعر الليتر منها ألف ليرة، ولاسيما إن لم يملأ كأسك بالثلج لتقليل كمية المياه الغازية، وفي الوقت ذاته، من يُقدِّم لك مع كاسة الشاي المعتادة، أو مع فنجاة قهوة أهلا وسهلا، بعض الموالح، حتى لو كانت مُجرَّد بزر دوَّار القمر، فإنه يعزُّكَ كثيراً، لاسيما بعدما صار الكيلو منها بألف وخمسمئة ليرة. أما من يدعوك لأي مائدة كانت، على الفطور أو الغداء أو العشاء، ولو لم تحتوي على أي نوع من اللحومات البيضاء أو الحمراء، فإنه يُخاطر بربع راتبه على الأقل، ومثل هذا الشخص تمسَّك به جيداً، إذ إن كرمه فاق حدود المعقول التي فرضتها أسعار اليوم الموصوفة بأنها “تنطّ ولا تحطّ”. وعلى ما يبدو أن معايير الكرم في أيامنا تبدَّلت معالمها، إذ مهما كانت دعوتك بسيطة، على كأس متة مثلاً التي قارب المائتي غرام منها الألف وأربعمئة ليرة، فإنك تجاوزت خط البخل، وصرت في عداد الأشخاص الكريمين الذين يُضرب بهم المثل، قبل أن يضربهم الفالج بسبب هذه الأسعار المجرمة.

بديع صنيج