تتدخَّل زوجته قائلةً: «والله هلكتنا، ما الذي تبحث عنه؟ أؤكد لك أنك لن تعثر على الإلياذة في التلفزيون وضمن الموسم الرمضاني تحديداً، كما أنك لن تحظى بمتابعة الأوديسة يا عزيزي، قُلْ لي بربِّكَ ما الذي تفتش عنه بالتحديد؟».
يجيبها وعلامات السأم واضحة على مُحيَّاه: «حبيبتي، بالتأكيد لن أسعى وراء الأوديسة والإلياذة في التلفزيون، إنما أبحث فقط عن «دراما نظيفة»، فهل هذا صعب إلى هذا الحد؟».. تعقُدُ حاجبيها وتتجمَّد كمن أصابتها طلقة في جبينها، فتنطق كلماتها وكأنها أمنيتها الأخيرة: «وما هي هذه الدراما النظيفة؟».
يأخذ الزوج نفساً عميقاً ويبدأ حديثه: «أتشهَّى مسلسلاً لا «يدحش» الكاتب أنفه في كل الشخصيات التي ابتكرها، بحيث تبدو سجينة أنفاسه المقيتة، بلا أدنى فسحة للحرية الذاتية، وكأنها ناطق رسمي باسمه الواحد الأوحد، مُعتبراً أنه يُقدِّم خدماته الجليلة للفن، في حين أن مقولات عمله لا تتعدى كونها مراهقة فكرية لا أكثر، وإذا حدث ووجدنا نصاً نفيساً، فإن المخرج يُغلِق عينيه، ويترك الجميع على هواهم، مُتجاهلاً الإيقاع، والتصاعد الدرامي، وضرورة ضبط سيرورة الفعل، وأيضاً المُعايرة الدقيقة لخطوط مشاعر الشخصيات، فضلاً عن الرؤية البصرية ومعانيها الدرامية، فليس المُهِم نظافة الصورة، وفخامة المَشَاهِدِ، وإبراز الجانب الجمالي لأماكن التصوير ومكامن البهاء في وجوه شخصياته، وإنما الأهم نظافة المعنى، وإزالة الشوائب من زوايا الكاميرا ولقطاتها وحركاتها، وصقل تعابير الوجوه، وإشباع كل ذلك بالدراما الصافية التي تخدم الهدف الأعلى للعمل، لا أن يكون كل شيء مُنفلِتاً على هواه، بحيث يتحول المونتاج مثلاً إلى تلصيق مشاهد، والممثل إلى مجرد مؤدٍّ وفني الإضاءة إلى كهربجي، والماكيير إلى كوافير أعراس، وهكذا».
نظر في عيني زوجته الحائرة بين أن تدمع أو تفقع، لولا أن باغتها بإعطائها جهاز التحكم، قائلاً: «سأصنع لك قهوة المساء».

بديع صنيج