بحر الخصوصي وشح العام

لا مبرر لأي فساد – سواء كان صغيرا أو كبيرا – ولا فارق بين الفساد الذي يوحي البعض بأن له أسبابًا قهرية اضطرت صاحبه لارتكابها.. وبين الفساد الذي يفعله “أموات الضمائر” الذين انعدم عندهم الفارق بين رسالتهم الإنسانية والتلاعب بمصير الطلبة.

أعتقد أن الدروس الخصوصية أصبحت فسادا تعليميا لا يحاسب عليها القانون إلا أن نتائجها الكارثية تعود على أجيال بأكملها، فمن المعروف أن يحصل الطالب على معلومات مناهجه كاملة من مدرسته ومن داخل صفه.. في حين انتشرت عدوى تقديم جزء من هذه المعارف داخل الصفوف المدرسية وترك جزء منها دون إيضاح، أو حلقة مفقودة لا يستطيع الطالب إدراكها، إلا إذا لجأ إلى مدرس المادة عن طريق الدروس الخصوصية، هذه جريمة علمية لا تختلف عن جرائم الفساد الأخرى.. إن تقصير المعلمين عن القيام بواجبهم في المدارس العامة، يشكل مصيدة للطلبة لإجبارهم على وضع أستاذ المادة كمدرس خصوصي لهم.. أو البحث عن مدرس آخر.
مسألة تشعل الميدان التعليمي في ظل شماعة المناهج الجديدة .. وتشكل بحرا للصيد وسط شح في تقديم المعلومات لمناهج أصبحت ضخمة وتحتاج لأكثر من سنة دراسية حتى يكملها المدرس أو يفهمها الطالب .. والعديد من المدرسين وبخاصة أصحاب الاختصاصات الرئيسية، مشكلتهم ليست في عدم فهم المناهج، بل في استغلالها لصالح الخصوصي .. نحن أمام سابقة لم نعهدها في المجتمع سابقا.. بهذه الكثافة .. فقد شملت جميع المراحل الصفية.

ولا أعتقد أنه من الحكمة أن يصف بعض المعنيين هذه الظاهرة، بالبرستيج أو الغيرة بين الأهالي فالمشكلة أبعد من ذلك بكثير … وليس من الحكمة أن نرجع ذلك لسبب عدم كفاية رواتب المعلمين، فليس ذلك سببا للفساد المباشر كما أن لمهنة التدريس خصوصيتها ورسالتها العلمية وبنفس الوقت لها ميزات مختلفة عن باقي المهن.

يحق للمعلمين المطالبة برفع رواتبهم وأجورهم ولكن ليس من حق ضعاف النفوس نشر الفساد في التعليم من أجل المال والتسابق في صيد الطلبة ورفع أجور جلسة الدرس الخصوصي إلى ثمانية آلاف أو عشرة ألاف لطلاب شهادات الثانوية …ولعل ما يحدث في الميدان التعليمي يحتاج إلى دراسة حقيقية من قبل المعنيين، حتى لا يصبح التعليم في المدارس العامة مطية للوصول إلى التعليم الخاص لدى ضعاف النفوس.

ميساء الجردي

شاهد أيضاً

(طبخات) عفنة

لا يحتاج الواقع في أحيان عديدة إلى الكثير من المزايدات والتبريرات من جانب بعض الجهات …