هرمينوطيقا سرد ما بعد الحداثة … عرض لنظرية نقدية فلسفية على حساب النص الروائي

دراسة حديثة صدرت منذ أيام للباحثين العراقيين د. محمد صابر عبيد ود. محمود خليف خضير الحياني، وهذه الدراسة اتخذت من ثلاثية هزوان الوز الروائية «معرض مؤجل» موضوعاً ونموذجاً للتطبيق العملي لنظرية بول ريكور، وهي تجربة ممتعة حقاً، أن تجد دراسة تطبيقية لنظرية فلسفية نقدية على نص روائي ممتد على مساحة زمنية طويلة، ويغصّ النص بالآراء والأحكام والحياة.
بداية ليس كل القراء على علم بنظرية ريكور المطبقة، ونقد الحداثة وما بعده ما تزال الأشواط التي تفصل القارئ، حتى المتخصص عربياً، بعيدة جداً، ويبدو أن دراسة الكاتبين متأثرة بدرجة كبيرة بهذه النظرية التي يريدان تطبيقها، ومن المقدمة أشار الباحثان إلى منهجهما الذي بدأ أول ما بدأ بالتعريف بريكور ونظريته وعناصرها، وفي هذه البداية النظرية التنظيرية فائدة كبيرة إذ يبدأ الباحثان مقدمتهما ببيان ما يريدان تطبيقه «طرح بول ريكور مشروعاً سردياً كبيراً ومعقداً يجمع بين الأنطولوجيا والتاريخ، والهرمينوطيقية، والسرد، والهوية السردية، والمتخيل التاريخي والسيري، وفي هذه التوليفة المتنوعة والمختلفة عمل بول ريكور على البحث عن نقطة تجمع بين هذه الحقول المتنوعة على أساس المغايرة والتماثل، ولكن النقطة التي تجمعت بها عنده، وشكلت المشترك بين هذه الحقول هي عنصر الزمان، وحاولت الفلسفة الريكورية أن تقاربه من حيث آليات الكوني والنفسي، والاتصال، والانقطاع وفي الخطاب التاريخي، والسيري..» محاولة لتفسير الريكورية الفلسفية، ولكن المحاولة هذه عجّت بالمصطلحات التي تحتاج إلى تفسير أكثر وأعمق، خاصة أن الكتاب يتوجه إلى العامة، ابتداء من العنوان وصولاً إلى النتائج.. وأنا بقراءاتي المتواضعة شعرت بأن الباحثين افترضا معرفة جيدة لدى القارئ، فغاصا فيما هو قد يكون غير مفهوم لدى المتلقي، ولا يخفى على أحد أن النظريات النقدية الحديثة تقوم على الفلسفة أكثر من قيامها على الأدب ومفرداته.. وحين تتبعت البحث مشيت مرهقاً صفحة صفحة وسطراً سطراً حتى أصل إلى ثلاثية (معرض مؤجل) والتطبيق عليها، وللحقيقة فإن المقدمات النظرية على أهميتها كان من الممكن أن تكون هوامش ويكون التطبيق مباشرة، لكن الباحثين الجليلين تابعا وراء معرفتهما النظرية التنظيرية على حساب التطبيق، ليظهر التطبيق فجأة في الحديث عن البيئات التي اختارها الروائي.. ولفت انتباهي هذا الإغراق التنظيري، فلم أجد في الهوامش المصادر الأصلية بلغاتها، وفي المصادر لا وجود لها، وفي السيرة الباحثان درسا في جامعات عربية، وكان جلّ اعتمادهما على كتب مترجمة للنظرية أو شرحها، وأزعم أنه من الضرورة بمكان أن تكون هذه النظريات من منابعها، حتى لا يحدث ما خمنته ورأيته من أن الدراسة اعتمدت القراءة التذوقية التقليدية، وتمّ تفصيل النظرية الريكورية على مقاس النقد، واستبدلت الأسماء المفهومة بأسماء مبهمة، إن ما قدمه الباحثان من قراءة مهم، والرواية الثلاثية مهمة أيضاً، ولكن لننظر بعد المقدمة النظرية في الريكورية والتي أخذت مساحة من الكتاب كبيرة تأتي القراءة كما يلي «كل شيء قديم وحفظته ذاكرة رامي يتمركز حول الحب والبساطة والتعايش والسلام، حتى إن البيئة التي كانت تشع بالجمال يمكن أن تمثل بيئة حاضنة للحب بقوة، فالذاكرة التي سجلها أبو رامي تؤكد التعايش والحب والإخلاص والجمال «نص من الرواية» يتابع الباحثان: «يتمظهر في هذا المقطع فضاء الأصالة والارتباط والتلاحم بين أهل القابون، فالكرم الذي أبدوه تجاه أبي رامي من حيث التبرع بالأرض… يعبر عن جوهر المقولة السردية التي اشتغل الروائي على إشاعتها في مفاصل الرواية على الرغم من أن حضورها كان صعباً وملتبساً، هذا النص المقتطع لطيف ومفهوم، ولا مكان فيه لأي شيء من الريكورية التي بدأ بها الباحثان، وهي لا تعدو أن تكون شرحاً وتفسيراً وتحشية على النص الروائي، وذاك يمتد حتى نهاية الكتاب بعيداً عن الإيهام الذي بدأ من العنوان، وفي نهاية الكتاب يذكر الناقدان «رامي كان من دعاة الديناميكية والتحرك والتطور، ولقد تغلبت اليوتوبيا أو الأمل، أو الجمال، في هذه الرواية على الواقع السيئ والجامد، وهو صراع أزلي في الأصل بين السكون والحركة، والقيمة الفردية على حساب الجماعة، فالفرد يمكن أن ينتصر على الأشياء المشوهة في المجتمع إذا امتلك الرؤية المطلوبة، لو أمعنا النظر في هذه الأحكام المنثورة حول الثلاثية، فإننا سنجد أن النظرية المدعوة للتطبيق كانت غاية نظرية تنظيرية، وأن هذه النظرية كانت هوامش للرواية، أو كانت نصوص الرواية هوامش لها!
لا شك بأن هذه الدراسة تمثل بادرة طيبة في تطبيق النظرية النقدية على الثلاثية، ولكن من قرأ الرواية بأجزائها فسيجد أن تطبيق النظرية لم يقدم شيئاً، هذا إن لم يكن مبعداً للقارئ وغير محفز، لأن كمّ البحث عن التأطير النظري غلب على الجانب التطبيقي الذي يمثل الغاية الأساسية التي لم تستوفِ حقها، وكان من الممكن أن يكون غير مقتصر على عرض تلخيص النظرية، ومن ثم العودة سريعاً إلى النقد التقليدي الذي نعمل عليه.
وأخيراً.. فإن الثلاثية مع التجربة الروائية السابقة «دمشق» تمثل نموذجاً من المزج بين التاريخي والحاضر، وتمثل غنى في المعلومات والسرد يحتاج إلى تحليل أكثر عمقاً، وليس شرطاً أن يحمل أسماء نظريات نقدية حديثة وحداثية وما بعد الحداثة! وإن أردنا أن نطبق هذه النظريات فعلينا أن نطبقها بصدق.
سرد ما بعد الحداثة تجربة ذات أبعاد إيجابية، وتمثل إضافة، ولو أعيد النظر لما أمكن الفصل بين جانبين نظري وتطبيقي.

شاهد أيضاً

غسان صليبا بحفل غنائي خاص في أوبرا دمشق

شام تايمز – متابعة برعاية إعلامية من شبكة شام تايمز الإعلامية يحيي الفنان اللبناني غسان …