موسيقانا : بين القديم الراسخ والحديث العابر

هي مقارنة لابد منها، فرضتها المتغيرات الحاسمة في مناخات وطرق الكتابة والممارسة المعاصرة، بما أفضت الى تخلي الموسيقي العربي عن تقاليده الماضوية، والاتجاه بمشروعه التأليفي الى الآخر تتحكمه عقدة نقص ودونية مريضة، وكأنه لايملك أو يمتلك هوية موسيقية وميراث روحي عظيم، ليبدد عناصر الابداع فيها، نحو تيه موسيقي معولم،جعله يعيد بقصد أو من دون قصد، نتاج المقولة الأشهر للمفكر العربي “ابن خلدون” في ولع المغلوب بتقليد الغالب، لكن هذه المرة بالتماهي والكتابة على نسقه والرقص على سلاسله وبالتالي التخلي الكلي، عن إرثه وخزينه الابداعي الناجز المكتمل الذي تحقق بفضل الوعي الكبير لفرسان هذه الهوية الأصيلة ممن امتلك الرؤية المعرفية نحو تكريس الحداثة كعامل مهم في تخصيب وإثراء العناصر الوطنية لا التخلي المطلق عنها.

-إذاً، عمل هؤلاء الرواد على تجذير الكتابة الحداثية بشكل علمي ومعرفي، من دون أن يكون ذلك على حساب خصوصية ومكتسبات الهوية الموسيقية العربية. في نقطة إلتقاء سار على خطها الموسيقي العربي منذ القدم نحو الارتحال المستمر على طريق الحرير الموسيقي بغية تكريس فعل المثاقفة والحوار الحضاري الإنساني مع أقرانه في الموسيقات المختلفة، بغية التأكيد على القواسم الابداعية المشتركة، وبغية خلق حالة من الحوار والنقاش الدائم المتفاعل حول حداثة ومستقبل هذا الفن الزمني وتقاليده المهمة التي هي نتاج مبدعون وحكماء وفلاسفة، كما بطبيعة الحال نتاج العبقرية الشعبية الأصيلة التي يمثلها الموروث الموسيقي الشعبي. الذي هو حكمة وروح الشعوب ، فأين الموسيقي العربي اليوم، من ذاك الماضي التليد، الذي بقي راسخاً عبر التاريخ واحتل مكانته الأثيرة في الذاكرة الجمعية العربية، لأنه امتلك عوامل الخلود شعراً ولحناً وأداء، في حين تغيب هذه الحقائق الماثلة، عن المشهد الموسيقي المعاصر، الذي بات مرتعا خصباً، للمتطفلين والأدعياء والمهرجين، يتراقصون على حبال الفضاء العربي العتيد بخفة الدببة وحضورهم السمج، يملؤون هذا المشهد وباء وغبار وأمراض لاحصر لها، من دون أن يوقفهم أحد أو يعيدهم الى حجمهم الطبيعي، أحد، لا لشيء، فقط بل لأنهم يمتلكون بعض المال الفاسد، وأشياء أخرى معلومة، لايهمهم من قريب او بعيد، ارتقاء الذوق والذائقة، فهذا آخر همهم، المهم النجومية العابرة والألقاب الصفراء والشهرة الخلبية والمال، اما عن القيم والقيمة الابداعية فحدث ولاحرج، وفي حقيقة الأمر لايُعرف من هو المسؤول عن كل هذا الخراب والبؤس والانحطاط الذي يتحفنا به هذا المشهد الكوني العبثي الذي تختلط فيه الكوميديا مع التراجيديا مع الرعب، ليجد المتلقي العربي نفسه محاصرا بهذه النوعية الفنية المريضة المصابة بأنيميا ابداعية مزمنة، من دون ان يرى المرء أية خطوات لوقف هذا النزيف بحق موسيقانا من قبل الوزارات والمؤسسات المعنية في البلاد العربية، وكأن هذا الفن الإنساني النبيل، لم يكن وعبر التاريخ أحد أهم الروافد الابداعية في مسير الثقافة العربية. وكأن التبعية للآخر وهو هنا التجاري الاستهلاكي مع كل أسف، أدى في حقيقة الأمر الى إعادة موسيقانا الى مسارها الابداعي المنشود، والى مكانها ومكانتها في مسرى الثقافة العالمية. لكن ومع كل هذا الخراب الروحي والوجداني، لايزال هناك وعلى الضفة المقابلة فرسان جدد من جيل الشباب، يمتلكون الوعي المعرفي والعلم وروح الانتماء الى تراث هويتهم الموسيقية العربية يكتبون موسيقى عربية حقيقية من لحم ودم، هي ابنة زمنها المعاصر، لكنها منبثقة من هذه التقاليد الماضوية العظيمة، هؤلاء هم الأمل الحقيقي لموسيقانا، بالرغم من كل الحصار الانتاجي والاعلامي المفروض عليهم، فقط لأنهم لم يندمجوا بشكل أعمى في مشروع العولمة بلونه الوحيد الكئيب، وفقط أيضاً، لأنهم يمتلكون روح الانتماء الى هذه الهوية الموسيقية العربية التي يعتزون بها، كما هي تعتز بهم، والزمن القادم سيشهد نهضة موسيقية عربية حقيقية يقودها هؤلاء الفرسان النبلاء، بعد ان وصل الحال والمآل بموسيقانا الى ماهي عليه، من رداءة وانحطاط مابعده انحطاط.

 

علي الأحمد

شاهد أيضاً

أمسية لـ موسيقا حجرة في دار الأسد للثقافة والفنون

شام تايمز – متابعة تستعد فرقة ” موسيقا حجرة” لـإحياء أمسية موسيقية، وذلك يوم الأربعاء …