جولة التماثيل

شاهدت “الثوري العربي” ينفُضُ غُبار الزمن عن كاهله، ويُريح يده المرفوعة بشعلتها الوضّاءة، ثم يقطع الشارع من زاوية اتحاد الفلاحين إلى الضفة المقابلة، ويُشير إلى أول (سرفيس) «مهاجرين-صناعة»، لينزل عند أول (جسر الرئيس)، ويتابع نحو المتحف الوطني، وفي حديقته يلمس بشُعْلتِه رأس التمثال المقطوع، فيعود كما كان ويتحرَّر من حجره الأسود، وإذ هو امرأة فائقة الجمال، يصطحبان معهما تمثال «ابن رشد» الذي صنعه المبدع محمود جمال بعد إزالة جموده ليُساعدهما في كثير من «المسائل» بحكمته المعهودة، ثم يغذّان الخطا باتجاه ساحة المحافظة، حيث ينتظرهما «يوسف العظمة»، ويركب أربعتهم (تاكسي) إلى ساحة المالكي، وبالطريقة ذاتها ما إن لمست الشعلة الوهّاجة تمثال عدنان المالكي- بكامل بهائه الذي صاغته يدا «فتحي محمد»- حتى ترجَّل عن منصته، مُرافقاً زملاءه نزولاً إلى ساحة الأمويين، ليتفاجأ جميعهم بتمثال امرأة هزيلة متعبة وإلى جانبها عربة، وكلاهما بلا بهاء البتة مع أخطاء تشريحية هائلة، ولولا اقترابهم من اللوحة التعريفية وسؤالهم بعض المارة لما عرفوا أن هذه هي «زنوبيا» التي كسرت شوكة الرومان، حينها وبلمسة واحدة استطاع «الثوري العربي» أن يُصحِّح أخطاءها ويُعيد تكوينها بحيث تشبه حسناوات تدمر اللواتي تعرفنا إلى ملامحهن في مكتشفات الشهيد خالد الأسعد، وكي يعرف الناس «زنوبيا» على حقيقة جمالها تم إبقاء التمثال المُعدَّل لها بعدما أزيلت من جانبه العربة الخرقاء.
بعد ذلك لاحظ المجتمعون الكثير من المنحوتات الباهتة بكتلها الضخمة مرميةً في الحدائق العامة، بحيث لا تثير لدى الناظر إليها أي إحساس، ولا تلفته أساساً، واحدة منها تم استبدالها بمشروع مؤجل للمَثَّال المُذهِل «فايز النهري» عن العائلة السورية، وأخرى بمنحوتة هائلة للمُبدِع «منذر كم نقش»، كما استعانوا بـ«لطفي الرمحين» لتزيين إحدى ساحاتنا بمنحوتة له لا نهائية الجمال بدل أن نخسرها لمصلحة إحدى المدن الأوروبية.
وعمل المجتمعون حثيثاً على زيادة ألق المدينة، وتدخَّلوا جمالياً بهندسة شوارعها وتصميم أبنيتها وتزيين مرافقها، وما إن انتهوا حتى عاد كل تمثال إلى مكانه، وبات “الثوري السوري” ، الذي صاغته أيدي المبدعَين «عبد السلام قطرميز» و«وديع رحمة»، مثالاً يحتذى به في الجمال وصناعته، حينها تماماً انتهى الحلم.

بديع صنيج

شاهد أيضاً

(طبخات) عفنة

لا يحتاج الواقع في أحيان عديدة إلى الكثير من المزايدات والتبريرات من جانب بعض الجهات …