«حرائق» محمد عبد العزيز في «غاليري» زوايا

بدأ «غاليري» زوايا ناديه السينمائي مساء الاثنين بعرض فيلم «حرائق» للمخرج «محمد عبد العزيز» الفائز في الجائزة الذهبية ضمن مهرجان «سيفين هيلز» في هنغاريا، وبذهبية الدورة العاشرة من مهرجان «روتردام» في هولندا، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة ضمن مهرجان القاهرة السينمائي. الفيلم الذي كتبه مخرجه أهداه إلى نساء سورية المتألمات والمتأملات الصابرات على البلوى في زمن الحرب، فهذا الشريط السينمائي تحية لهن بكاميرا شفافة تُحاول قدر الإمكان أن تقترب من ملامحهن ابتداءً من النص المحموم بالإنسانية وهواجسها في زمن الحرب، فلا انعكاسات لذاك الزمن إلا ما انحفر منه على وجوه البشر وملامحهم، ولا دمار إلا المُندغِم بأرواحهم، حتى الخوف والألم، الفرح والأمل، لم تكن على السطح بل تم نبشُها من أعماق وجدان الشخصيات التي ما بَرِحَت تُقاوِم ثقافة الموت، مرَّةً برفض شخصية «وداد» التي أدتها «نانسي خوري» الزواج بلا حُب من رجل غني يشتري البيض من المدجنة التي تعمل فيها مع والدتها العجوز، ولو كلَّفها ذلك صعود طاحونة هواء للتواصل مع حبيبها وابن خالها «مازن الجبة» في ظل شبكة ضعيفة وتغطية شبه معدومة، وأيضاً مقارعة تسلُّط والدتها اليائسة من العمل المُضني بين الدجاج ولاسيما مع المرض الذي أودى بحياة الكثير منهن، ومع ذريعة وجود كيماوي في المدجنة حاول إثباته لجنة مختصة من الأمم المتحدة، مقارعة ثقافة الموت تمت أيضاً برفض «المُسعفة في الهلال الأحمر.. جفرا يونس» إجهاض ثمرة حُبّ صادق منها لفنان تشكيليّ يسجن نفسه في مرسمه، مُرتَهناً لدلاء اللون الأحمر كمحاولة لهروبه من دماء الواقع الحارَّة، وعدم قدرته على أن يكون أباً وأصوات الحرب وألوانها تخترق قماش لوحته، مقاومة ثالثة تجسدت برفض «خولة.. رنا ريشة» للموت على يد أخيها الذي دفعه والده بعقليته الانتقامية لذبح أخته كما يذبح الدجاج في «مسلخ حلال» لأنها تزوَّجت «خطيفة»، بعدما ذبح زوجها، لكن أمهما تقف حائلاً بينهما عندما أدخلت ابنتها السجن بحجة أنها هي من قتلت زوجها، ويبقى قلب «خولة» معلقاً بابنها حسين الذي لم تره سوى مرتين، القصة الرابعة في الفيلم ترتسم ملامحها بعدم رغبة «أماني إبراهيم» أن تكون شهيدةً وسبباً في شهادة كثيرين بعد إجبارها من قبل أحد رجالات تنظيم «داعش» على ارتداء حزام ناسف، وإصراره بأن تُفجِّره في شارع 29 أيار مقابل المركز الثقافي الروسي بدمشق.
فيلم مبني بكثير من تفاصيله على اللامتوقع الذي يستمر، إضافة إلى هذه الخطوط الدرامية المتوازية، بمشهديات صارخة بالجمال، سواء لهروب «وداد» من تأنيب أمها داخل المدجنة، أو لإحراق الدجاجات النافقة بسبب المرض وما تحيل إليه، أو لمدينة دمشق من أعلى بناء يلبغا غير المكتمل حتى الآن، أو تصوير مروحة الهواء من زوايا عديدة، أو التركيز على السُّلَّم الذي يصل الأرض ببلكونات المشاهدة في سينما الفردوس، وشرائط النيغاتيف التي شكَّلت ستاراً فائق البهاء على بوابة العروسين وغير ذلك الكثير، إلى جانب لقطات ذكية لافتة عن «الثقافة المتطرفة»، وأخرى ضمن السينما التي باتت ملجأ المُهجَّرين في «حرائق»، عن أفلام تحكي عن تجارة الأعضاء وتغيير الجلد والسقوط المُرّ… فضلاً عن تأجيج فضائل الحُبّ ورفع أنخابه وتتويجه ولو من دون شهود، وتنويع مُذهِل في زوايا التصوير وإيقاع القطعات المونتاجية بما حقَّق جاذبية كبيرة في السّرد البصري استطاع من خلاله المخرج أن يجذب الجمهور لأكثر من ساعتين، من دون أن يترك للمُشاهد أي فرصة لأن يَصْدُقَ توقُّعه، إذا استثنينا الأمل الذي بثُّه «محمد عبد العزيز» في ثنايا فيلمه عن انتصار الحب والحق والجمال السينمائي، وفق فهم خاص ووعي سينمائي فريد بالتقاط اللحظة الراهنة، وإعادة صياغتها بجدية ومسؤولية شديدة، استطاعت أن تحقق شريطاً سيبقى إلى أزمنة بعيدة وثيقة صادقة عن المجتمع السوري، وصراعه الوجودي في ظل حرب ثقيلة لم تترك ملمحاً من ملامح المدينة إلا صدَّعته، وتركت آثارها واضحةً على الأرواح المتعبة، حتى إنها باتت جزءاً من الجينات التي نورِّثها لأبنائها رغماً عنَّا.
تشرين

شاهد أيضاً

“سيريان تالينت”.. وشراكة لدعم المواهب السورية

وقعت مؤسسة الحياه السورية ممثلة برئيس مجلس ادارتها المهندسة رنا زيتون، ورئيس مجلس إدارة شركة …