برسم وزير العدل

يأتي موضوع هذا المقال في إطار المقالات التي كتبتها عن القضاء سعياً لتقديم الرؤى والأفكار التي تساعد في حسن سير العدالة وإزالة الشوائب التي لحقت بالسلطة القضائية وأساءت إلى سمعتها.
فالقضاء هو الطريق إلى تحقيق العدالة والإنصاف ومنع الظلم والاستغلال، وهو الميزان الذي يوازن بين جميع أطراف المجتمع ومكوناته وفقاً للدستور، ويضمن تطبيق القوانين وتنفيذها بالشكل الصحيح.
ونعلم جميعاً أن القضاة والمحامين هم جناحا العدالة، وعلينا أن نضيف إليهم الخبراء؛ فالخبراء جناح مهم في ميزان العدالة كما هم المحامون، ورغم أن القضاة هم الجناح الأهم في ميزان العدالة؛ إلا أن أي خلل في عمل المحامين والخبراء يؤدي حتماً إلى الإخلال بميزان العدالة كله.
ورغم ذلك فالخبراء لا يتمتعون بأي حصانة تحميهم من الأذى والتعرض لسمعتهم لمجرد أن الخبير قدم خبرته بما لا يرضي أحد أطراف الدعوى، وهذا أمر لا بد منه باعتبار أن الدعوى تقام بين صاحب حق مدعٍ ومغتصب حق مدعى عليه.
لوحظ مؤخراً إزدياد عدد الدعاوى الجزائية المرفوعة على بعض الخبراء وفقاً للمادة /402/ من قانون العقوبات التي نصت على أن الخبير الذي تعينه السلطة القضائية ويُجزم بأنه مناف للحقيقة أو يؤوله تأويلاً غير صحيح على علمه بحقيقته يعاقب بالحبس ثلاثة أشهر على الأقل وبغرامة لا تنقص عن مئة ليرة ويمتنع فضلاً عن ذلك أن يكون أبداً خبيراً.
ورغم أن نص هذه المادة واضح لا لبس فيه، فهو يطبق على التقرير الكاذب في حال الجزم بأنه منافٍ للحقيقة؛ فإن التطبيق القضائي لهذه المادة يدل دلالة أكيدة على أن الخبير ليس له أي حصانة رغم كونه جزءاً من الجسم القضائي عند قيامه بتنفيذ مهمة خبرة؛ فيكفي أن يقدم أحد أطراف الدعوى إذا لم يأت تقرير الخبرة وفقاً لمصلحته بالإدعاء على الخبير بأن تقريره كاذب لتقوم النيابة العامة بطلب تحريك الدعوى.
إن قيام أحد أطراف الدعوى بالادعاء على الخبير بالتزوير أو الغش أو التلاعب في خبرته بدعوى فصلت بحكم قضائي قابل للاستئناف والطعن، فيه تجاوز لمفهوم العدالة ولا سيما إذا كان هذا الادعاء لا يستند إلى أدلة واضحة وأكيدة يجب على النيابة العامة تحريها حفاظاً على سمعة وكرامة الخبير وحرصاً على وقت المحاكم، وإن وجود أي نقص أو عيب في تقرير الخبرة لا يعطى الحق لأحد أطراف الدعوى باتهام الخبير بالتزوير والتلاعب والغش حيث حدد القانون الإجراءات المناسبة لاستدراك ذلك.
علماً بأن قانون الخبراء أخضع الخبراء للمساءلة المسلكية عن طريق إدارة التفتيش القضائي التي تصل إلى شطب الخبير نهائياً من جدول الخبراء، كما أخضعه إلى المساءلة مدنياً وفقاً لما نصت عليه المادة /157/ من قانون البينات.
لذلك أرى ضرورة وضع الضوابط اللازمة لتطبيق المادة /402/ من قانون العقوبات تطبيقاً سليماً يتوافق مع غاية المشرع ويحقق الحصانة المطلوبة لعمل الخبير، وحيث إن المحكمة التي تنظر في الدعوى المدنية أو التجارية موضوع الخبرة هي الجهة الأنسب لتقييم مضمون تقرير الخبرة وبالتالي هي الجهة الأقدر على تحديد ما إذا كان التقرير كاذباً أم لا؛ فإنه يجب على النيابة العامة استطلاع رأى المحكمة المعنية حول الإدعاء بأن ما ورد في تقرير الخبرة منافٍ للحقيقة وسماع أقوال الخبير قبل تحريك الدعوى التي غالباً ما تكون كيدية أو بغرض التأثير في المحكمة وتعطيل إجراءاتها خاصة في الدعاوى التجارية.
وأعتقد أن تحقيق ذلك لا يحتاج إلى نص تشريعي مبدئياً، ويكفي توجيه النيابات العامة بالتقيد بتحري الحقيقة بالشكل الأمثل، وبذلك يتم تطبيق القانون وتنفيذه بالشكل الصحيح.
وأنوه إلى أن معظم دول العالم المتقدم لجأت إلى وضع نص في الدستور يضمن ذلك.

نبيل الملاح – باحث ووزير سابق

شاهد أيضاً

(طبخات) عفنة

لا يحتاج الواقع في أحيان عديدة إلى الكثير من المزايدات والتبريرات من جانب بعض الجهات …