يعقـوب إبراهيم يعيد تجسـيد الأسطورة السورية فنياً في معرض

بشاعريته المفرطة لم يقطع الصلة مع ثقافته ولا مع شعبه وأصوله، كان فنه مرتبطاً بالعادات والتقاليد لكن الحرب على سورية دعته لمشاركة هذه الأحزان فنياً، وترجمها تشكيلياً عبر لوحات متنوعة جمعت بين القص الأسطوري والخط المسماري والتشكيلات الزخرفية الحرة، عوالم نقلنا إليها الفنان التشكيلي يعقوب إبراهيم وعاد بنا إلى الذاكرة الشعبية التي نراها على جدران البيوت في المنطقة الشرقية، ليقدم مقولته التي جمعت بين رسومات الجدران القريبة في الزمن وصولاً لرسومات الكهوف، بأن المعاناة هي بطل أعماله وكذلك اليأس بدون عنوان.
«بدون عنوان».. هكذا عنون يعقوب معرضه الجديد المقام حالياً في المركز الوطني للفنون البصرية مؤكداً أن قلة الكلمات مستحيلة لإظهار هذا الألم الغائر في روحنا.
وأكد يعقوب، أن سورية نقطة بلا عنوان لأنها في حد ذاتها عنوان، وهي نافذة لآلاف السنين من الحضارات المتعاقبة فهي تاريخ قديم والشعب السوري بكل مكوناته وأطيافه هو سوري في النهاية.
مضمون المعرض حاكى بتفاصيله الحروب الشرسة برغم الألوان، ونرى الخطوط الغرافيكية النزقة في كل الاتجاهات بموتيفات معبرة ومؤلمة التقت مع العصب المتألم والمقهور للفنان يعقوب.
فنه يحمل روح الفريسك بامتياز وهذا لانراه دائماً في التصوير لكنه أضاف تضاداً بين الشفاية وعجينة اللون والخط الغرافيكي كما هي أوجهه المنحوتة لتحمل العلاقة الجدلية نفسها في وسيلة التعبير عن موضوعه.
المعرض الذي ضم ٢٧ لوحة قياسات كبيرة ٢٠٠×١٥٠سم و٢٠٠×١٠٠سم وبعض قياسات مختلفة و٢٢ عملاً نحتياً، عكست تأثير الحروب على الإنسان البسيط الفقير المقهور في كل بقاع العالم، استطاع يعقوب عبرها أن يجزّئ الزمن إلى سياقات بصرية وأن يكون الجيشان العاطفي هو الأبرز في لوحاته، تجاه المعنى والحالة التي تجسدها، فالضوء عنصر حركي فيها وكذلك حركة الشخوص، وكل لوحة تكاد تصبح مسرحاً تاريخياً لإبراز حدث كالحب والاحتفاء بالجمال والولادة أو المعرفة.
تميزت لوحاته بغناها التشكيلي وبكثرة التفاصيل التي لا تطغى على مشهد اللوحة النهائي ،وهو ضبط متقدم لمسرح لوحاته، فحتى الخلفية التي تلعب دوراً ثانوياً يمكن أن تتقدم لتلعب دور رئيساً، ولاسيما أن الخلفية هي عنصر زمني كثيف بالمعنى وشفيف في التشكيل، وإذا ما تتبعت العين مفردات الخلفية لوجد المتلقي ذاته في مساحة معرفية غنية تعطي مجمل الأشكال المتقدمة معنى حضورها، وهذا الربط القوي والذكي بين مستويات اللوحة هو ما يمكن تسميته بالبناء البصري التشكيلي.
أعمال يعقوب المختلفة شكلت نافذة مفتوحة على الرؤية الزمانية بتفاصيل حضور الحكاية والأشخاص والأسطورة، خاصة حالة الاتحاد بين الترابي والسماوي، بما للون من رمزية وبهاء حيث غلب الأبيض والسماوي أو الأخضر المضاء إضافة الى الحضور القوي للحرف القديم عبر مساحات اللوحات المختلفة.
في صياغة لوحاته أو منحوتاته جعلنا على تماس مباشر مع روح الأشياء كالتراب وملمس الحجر والجدار، وصولاً إلى تلك العجائن التي يشكل منها أبجديته البصرية الخاصة، وحولها إلى منطوقات تترنم بتلك المعرفة التي تفتحت له عبر مسارب الذاكرة إلى التاريخ السوري مقدماً عبرها عظمة آثار الفن السوري وحضارته.
هاجس يعقوب الدائم محاولة تأسيس اتجاه فني خاص به قد تكون عتبة قادمة لتأسيس مدرسة في مجال الفن التشكيلي و إنشاء جملة فنية حركية تخص تاريخنا وثقافتنا وحضارتنا التي ليس لها أن تغيب عن ذاكرة التاريخ، لذلك بدأ البحث في الأسطورة السورية والتعمق في جدارياتها ونقوشها التي ذهلت العالم أجمع ،راسماً خطاً قد يكون غير تقليدي أو غير اعتيادي في أوساط الفن التشكيلي عبر سلسلة البحث عن صلة تربط الأسطورة التاريخية بالواقع المعاصر بكل ما يحتويه من تقاليد وعقد.
ميسون شباني
تشرين

شاهد أيضاً

بسام مخلوف لـ شام تايمز: “دفا” محاولة للتركيز على العمق الإنساني أولاً

شام تايمز – آمنة ملحم ينطلق تصوير مسلسل “دفا” تأليف بسام مخلوف، وإخراج سامي الجنادي …