ارتفع لترى أكثر..! فن العيش على ارتفاعٍ ما من الأرض والإبداع القادم من علٍ

1
كانت رغبة الفتى ذي عشر السنوات شديدة في أن يتعلم القفز بالمظلة، ولأجل ذلك، بدأ يأخذ الدروس، يقول له المدرب: عندما تحلق الطائرة في السماء، سترمي نفسك في الفراغ، ثم تعد حتى العشرة، فتفتح بعد ذلك المظلة، لترى أنك معلق بين السماء والأرض، و.. يسأله الفتى ماذا لو لم تفتح المظلة يا سيدي؟ فيجيبه المدرب: ببساطة تذهب إلى المتجر وتشتري غيرها..!
تلك حكاية وجهت ذات يوم إلى الأطفال، غير أن الكثير ممن قرأها منهم، شكلت لهم حافزاً لاتخاذ قرار الكتابة فيما بعد كنوع من التحليق، والابتعاد مقدار مسافةٍ ما من الأرض، ذلك أن «التحليق» بكل مجازاته وواقعيته طالما كان حلماً للكثيرين، وأياً كانت نتيجة السقوط مريعة، وبالتأكيد لن يكون أولهم عباس بن فرناس، كما لكن يكون آخرهم ماوصل إليه عالم فضاء من كواكب ومجرات، وكذلك لن يقف الأمر عند كل من أجاد مجازاً، فكتب نصاً أو قدم صورة بصرية أو حتى حلق بجسده رقصاً.
2
على رؤوس الجبال غالباً ما تمّ اختيار بناء القلاع، و.. في الساحل السوري، اختار الناس رؤوس المرتفعات لبناء المزارات للمؤمنين والقديسين، والقديس سمعان العامودي بدوره، وغيره الكثير من المتصوفين، استطابوا العيش على ارتفاعٍ معين من سطح الأرض، على عمودٍ، أو على مرتفعٍ ما، اختاروه مكاناً لممارسة زهدهم، وللاتصال بكائنهم الأعلى، وليكونوا أكثر قرباً من كرسي عرش السماء، ومن هناك صاروا يناجون، ويرتلون له، كما إن معظم كائنات الأرض تشمخ باتجاه الأعلى أو تسمو على ذلك..!
حتى القرى يُختار لها سفوح الجبال، والبيوت اليوم «تطلع» طوابق، وحتى الطيور تبني أعشاشها وأوكارها في مرتفعات الجبال والأغصان و..أشجار الغابة كذلك تتطاول ارتفاعاً..!
3
تروي الحادثة التاريخية أن المتصوف جلال الدين الرومي (1207-1273م) كان يسير ذات يوم أمام دكان أحد الصاغة في بلدة قونية التركية، عندما هبطت عليه نفحة الحب الإلهي، فإذا به يدور على نفسه في رقصةٍ انضمّ إليها الصائغ صاحب الدكان، و.. منذ تلك الحادثة العرفانية، أي مايزيد على السبعمئة سنة إلى اليوم وهذه «الحركة» الدورانية – الرقص حتى التحليق.. والجسد في خدمة الروح- تتفرع إلى طرق ومدارس و.. أتباع تحيي الليالي الكثيرة والطويلة، وفي أحيان عديدة غالباً ماانزاحت هذه «الرقصة» عن حالتها الدينية لتدخل أكثر من حالة دنيوية، وإن التقت الحالتان – الدينية والدنيوية- في أكثر من منعطف ونقطة أهمها الجمال، فقد استعير هذا «الدوران» بكل ما يحمل من مواربة بين الثبات والحركة، وإنتاج الفعل من الثبات إضافة لجماليات الاستعراض ليدخل في تفاصيل أكثر من عمل إبداعي في مناحي الفنون المختلفة.
4
آخر ابتكارات الروس نوع من الرياضات القصوى يشبه القفز بالحبل المطاطي، إلا أنه يمارس فوق سطوح البنايات وبحبال تسلق، يعود اختراع هذه الرياضة إلى المتسلق (دان أوسمان) الذي كان شديد الولع بمثل هذه الرياضات، إذ قفز يوماً من أعلى جُرف بوساطة حبل تسلق، وقد لقي الرجل حتفه في عملية مماثلة في 23 تشرين الثاني 1988م بعد انقطاع الحبل الذي كان يربطه، ولم يتجاوز عمره الـ35 سنة، وفي مدينة (نيجني نوفغورود) يعيش أعضاء أكبر مجموعة تمارس القفز بالحبل، تضم نحو 30 فرداً ينضم إليهم بين الحين والآخر بين 300 و400 شخص، ومن بين هؤلاء يوجد قرابة مئة شخص يمارسون القفز بانتظام، وفي البداية لم يكونوا سوى شخصين، كما توجد عدة مجموعات في مدن روسية أخرى مثل سانت بيترسبورغ وموسكو وسيبيريا وغيرها، أما عن سبب الولع بهذه الرياضة، فلا تفسير لذلك سوى النشوة التي تدخلها على القلوب، كما يؤكد محترفوها، والقفز لا يمثل لهم سوى فسحة ترفيه.
5
ليست غاية متسلق الجبال أن يصل إلى القمة وحسب، وإنما غاية الوصول إلى القمة، هو أن يستمتع بالمناظر من «فوق»، ذلك أنك لترى أكثر، لابد من أن ترتفع أكثر، ربما من هنا كانت محاولات الطيران الأولى، وربما، ثمة من يرى، إنه لأجل هذه الغاية كانت عروش الآلهة السماوات..!
و.. لأنّ النظر من علٍ، يُتيح للرائي زوايا رؤية أكثر، أو رؤية غير محددة الزوايا «واستطالات للحواس» – كما يرى البعض- حتى أصبحت اليوم تشكّل نمطاً مستقلاً من فنون عالم الفوتوغراف، الذي هو فن التصوير من السماء، وصار له نجومه في العالم، تذكر جين تايلور، وهي أحد المشاهير في هذا الفن: التصوير البعيد ومن الجو تحديداً، يعرض للشكل الخارجي الكامل، والأبعاد الطبيعية، أو تلك التي من صنع الإنسان، بينما شهير آخر في هذا المجال، هو يان آرتوس برتران الذي صوّر أكثر من نصف المعمورة من الجو – منها سورية- له هدف من صور السماء، فهي ليست مجرد أعمال فوتوغرافية، لإبراز جمال المواقع الجغرافية وحسب، وإنما هي جزء من رسالة بيئية، للدفاع عن الأرض.!
6
في روايته «البارون المعلق» لإيتالو كالفينو – ترجمها للعربية معن مصطفى حسون- تحكي الرواية عن فتى أراد أن يعيش فوق الأشجار، جاء قراره هذا بعد مشادة على «أكلة حلزون» أعدتها شقيقته «باتسيتا»، أو كما يطلقون عليها راهبة البيت، والمتمسكة بطقوس لايحيدون عنها في العائلة النبيلة، وكان رفض الطعام يُعدّ خروجاً عن التقاليد القدسية للعائلة، والأمر الجلل الذي لايغتفر، لكن الفتى أراد أن يتمرد على كل التقاليد والطقوس، فكانت فضاءاته أعالي الأشجار، وكان من هذا المستوى من الارتفاع أن رأى أكثر من كل الذين تحت، هناك عشق بكل وجد القلب، ومن شغافه، وهناك تعلم، و.. من هناك قدم مساعداته لكل الذين تحت، من هذا الارتفاع حيث كان «ملكه» يمتد إلى حيث يمكنه البقاء فوق الأشجار، ومن ثم إلى حيث تمتد هذه الأشجار، ومن هناك كانت للأشياء رؤية أخرى، للشارع منظر مختلف، الحدائق، ونباتات الزينة، وحتى أشكال الناس أيضاً الذين حاججهم، وانتصر عليهم بفلسفة العلو هذه، هناك في الأعلى، طالع، وأحب، وصادق متشردين، ومنفيين، و.. حيوانات، ومن هناك أيضاً، وعندما أزفت النهاية تعلق بجناح طائرة، و.. غاب في الفضاء.!
كان «كوزيمو بيو فاسكو دير وندو» وهو الصبي المعلق، اختار هذا التعلق فوق الأشجار، قد رغب في حمل هذه المملكة إلى حدودها النهائية، ومن ثم دراسة كل الاحتمالات التي تقدمها، وأن يكتشفها نبتة إثر نبتة، وغصناً بعد غصن.
7
تلك الرواية، التي سردها كالفينو، مستوحياً إياها من حكاية قرد استطاع أن يُغادر روما، وأن يصل حتى إسبانيا متسلقاً الأشجار، ومن دون أن يمس الأرض أبداً. وهذا مافعله كوزيمو، ولاسيما عندما اختبر الشجرة الأكثر علواً، هناك حيث يظهر جنونه، وشغفه بالتمتع حتى العمق بهذا الاخضرار المختلف، وبذلك الضوء الذي ينبعث منه السكون، حسب وصف شقيقه «بياجو» الذي يسرد روايته.
الفرار عن الأرض، ليس كرهاً بها، ولاهروباً من شرورها، و.. إنما غالباً كان شفقةً عليها، أو لحمايتها مما فعله «الجهلاء» من الذين يدبون عليها، أليس أديمها «من هذه الأجساد» على حد وصف «أبو المعري».؟ ولذلك –ربما- هم يخففون الوطأ عليها، على مانصح به ذلك الفيلسوف- المعري- الذي اختار بدوره ليس الارتفاع عنها، وإنما الاكتفاء، أو لزم نفسه بمساحة صغيرة منها ليعيش عليها.! و..غالباً ماخدم «فن العيش»على ذلك الارتفاع الحياة على الأرض، إن كان ذلك استكشافاً، أو تقديماً مثلاً، أو عظة، فكل شيء يختلف عندما يُنظر إليه من الأعلى، أو لمجرد الارتفاع لترى أكثر.!
علي الراعي
تشرين

شاهد أيضاً

الوزير عماد سارة: “لآخر العمر” يجسد بطولة كل إعلامي واكب الجيش في الميدان

خاص – شام تايمز أكد وزير الإعلام عماد سارة خلال افتتاح العرض الخاص لفيلم “لآخر …