أتمتة عمل وزارة المالية

من الصعب جداً أن نجد شخصاً في موقع المسؤولية حصيناً ضد كسب المال بأساليب غير مشروعة..!
وإذا أخذنا الحكومات كمثال باعتبارها مؤتمنة على المال العام ـ وأيضاً الخاص ـ فإننا نادراً جداً ما نجد مسؤولاً حكومياً في معظم دول العالم لم يتورط في قضايا فساد محورها استغلال المنصب العام لكسب المال “الحرام”..!
ولدينا عشرات الأمثلة عن أشخاص كانوا من أشد المطالبين بمكافحة الفاسدين ومحاسبتهم .. لكن ما إن استلموا منصباً حكومياً حتى انخرطوا بسرعة غريبة في الفساد والإفساد..!
ومن المؤكد أن العاملين في الوزارات ومؤسساتها، والذين يحتكون مباشرة بالمواطنين لإنجاز معاملاتهم هم أكثر الناس انخراطاً في كسب المال “الحرام”..!
وإذا كان هذا حال الوزارات ومؤسساتها التي لا تتعامل بالمال مباشرة، فماذا نقول عن الجهات التي محور عملها المال ولا شيء آخر سوى المال كوزارة المالية..؟
في وزارة المالية من المستحيل أن نرى موظفاً لا يستفيد من منصبه مهما كان صغيراً، والإشكالية هنا أن أصحاب العلاقة، أي المكلفين ضريبياً “يدفعون المعلوم” وهم راضون، بل في غاية السرور إلى درجة يصعب معها اكتشاف (من يغري من) بكسب المال الحرام، أو من يفسد من..؟
وبالتالي لم يكتشف وزير المالية جديداً عندما أعلن مؤخراً (أن موظفين في المالية يعلمون التجار على التهرب الضريبي)..!
هذا الواقع قائم ومستمر في الوزارة منذ زمن سحيق، وسيبقى مستمراً، ولن يستطيع أي وزير منعه مادام الاحتكاك المباشر بين الموظف والتاجر قائماً ومستمراً..!
قد لا تملك وزارة المالية الحجم الفعلي للتهرب الضريبي، لكنه بالتأكيد بعشرات المليارات لا بعشرات الملايين، والمستفيد الفعلي من التهرب هو التاجر، في حين لا يحصل الموظف سوى على “الفتات” مقارنة بما ربحه التاجر..!
وإذا كان وزير المالية لاحظ تراجع الإيرادات لدى بعض الدوائر المالية الناتج برأيه عن “علاقات غير سليمة مع المكلفين”.. فلا يعني هذا أن الوضع في السابق كان أفضل، وإنما كان أقل سوءاً، وهو تأكيد على أن التهرب الضريبي إلى تزايد لا إلى انخفاض..!
ويخطئ كل من يرى أن الحل يكون بإجراء تقييمات للمديرين ورؤساء الدوائر والأقسام بهدف إجراء تعديلات وتغييرات في الإدارات الضريبية، فقد سبق وقامت الوزارة بهذا التغيير مرات ومرات دون جدوى، بل إن الموظفين الذين يحسدون رؤساءهم؛ لأنهم يتابعون ما يكسبونه من المال الحرام يجدون في أي تقييم وتغيير فرصة للحلول مكانهم والسير على منوالهم..!
كما أن المحاسبة مهما كانت شديدة فقد أثبتت السنوات السابقة أنها غير مجدية ولا رادعة؛ فمن المستحيل أن نجد شخصاً حصيناً ضد الكسب غير المشروع مادامت الأنظمة النافذة تتيح مثل هذا الكسب، أي مادام التحصيل الضريبي يتم مباشرة بين الموظف والتاجر..!
معظم دول العالم حلت المشكلة عبر الأتمتة، أي إلغاء أي احتكاك مباشر بين الموظف والمكلف..!
ترى هل تعجز وزارة المالية عن أتمتة عملها الخاص بالضريبة..؟
منذ عقود ونحن نسمع أن وزارة المالية “منخرطة” في إصلاح التشريعات الضريبية، ولكن هاهو ذا وزير المالية يعترف لنا بأن”هناك لجنة مختصة تعمل على مراجعة كل التشريعات الناظمة لذلك؛ إذ تعود هذه التشريعات لأكثر من 50 عاماً..!
ألا يعني هذا الاعتراف أن وزارة المالية لم تفعل شيئاً خلال العقود الماضية على صعيد تطوير تشريعاتها، وأن ما كانت تعلنه للإعلام عن عمليات إصلاح لم يكن أكثر من ترقيع لواقع مهترئ..؟
حسناً.. لندع الماضي ببعديه السحيق والقريب، ولنتفاءل بما أعلنه وزير المالية مؤخراً: “الحكومة تعمل على تحديث منظومة تحصيل الضرائب عبر الأتمتة وتطبيقات الحكومة الإلكترونية.. وهو الأمر الذي يسهم في التخفيف من وجود العامل الشخصي لمستوى الصفر..!”.
ويبقى السؤال: لمصلحة من هدرت المليارات على خزينة الدولة طوال العقود الماضية من خلال رفض المسؤولين السابقين مشاريع أتمتة أعمال وزارة المالية..؟
علي عبود

شاهد أيضاً

(طبخات) عفنة

لا يحتاج الواقع في أحيان عديدة إلى الكثير من المزايدات والتبريرات من جانب بعض الجهات …