سهير برهوم: المسرح القومي تخلّى عن العروض النخبوية إلى ما هو أبسط

ثلاثة أشهر فقط مرّت على تسلّمها إدارة المسرح القومي، ومع ذلك لا تُخفي سهير برهوم رغبتها بمزيد من الانتقائية في النصوص المسرحية المقدّمة للإنتاج إذ يتم التقليل من عدد العروض خلال السنة والعودة للنوعية التي عرفها جمهور المسرح قبل حوالي 15 عاماً، برفض التراخي مع أي نص يتعامل مع المشاهد بأسلوب ثقافي وفكري أدنى مما يستحق.
هذه الرغبة في رفع مستوى العمل المسرحي، وجدت طريقها أيضاً إلى ما سيتم الاتفاق على إنتاجه قريباً، ليُتاح للجنة المشاهدة في المسرح القومي، وبرهوم واحدة من أعضائها، حضور أي عرض مسرحي فور اكتمال مشاهده، وإعطاء ما يرونه من ملاحظات وآراء، بدلاً من حضورهم «بروفا» نهائية تسبق العرض الرسمي بيومين، ولا تسمح بأي محاولة للتعديل أو الاستفادة مما تراه اللجنة، في وقت أصبحت فيه مديرية المسارح والموسيقا والمسرح القومي ضمنياً، الجهة الوحيدة المعنية بالإنتاج المسرحي مع غياب ما يُسمى «المسرح الجامعي والتجريبي والتجاري وغيرها»، والتي تشكّل فيما لو اجتمعت حراكاً ثقافياً يمكن له أن يقول الكثير.
في حديثها لـ «تشرين» تؤكد مديرة المسرح القومي إن ظروف الحرب الأخيرة ساهمت في اختفاء أشكال مسرحية عديدة، بدأت مع غياب الأسماء المشتغلة بها، ففي المسرح التجاري اعتاد الجمهور متابعة عروض لفنانين كان لهم تاريخ مسرحي عريق في مجال الترفيه منهم «حسن دكاك، عائلة جبر، الأخوان قنوع، صالح الحايك، سعد الدين بقدونس»، واستطاع هؤلاء عبر ما يوصف بمسرح شباك التذاكر، تحقيق شعبية كبيرة، والسبب يتعلّق بمحاكاة أمزجة الجمهور العادي ومقاربة تفاصيل حياته اليومية بأسلوب كوميدي، في المقابل تميّز المسرح القومي بأعمال جادة ملتزمة، ويمكن القول إنه حتى عام 2010 تميّزت العروض المقدمة على خشبات المسرح القومي بكونها عروضاً نخبوية لذلك كان جمهورها محدوداً لكن مع بداية الأحداث وحتى اليوم تحوّل مستوى العروض من النخبوية إلى ما هو أبسط ليحاكي شريحة واسعة من الناس، وهو ما عدّه البعض سبباً لاستمرار الحركة المسرحية في البلاد، وهي نقطة تتحفظ عليها برهوم. لكن هل يمكن إطلاق صفة «الجماهيرية» على هذا التحوّل؟
تقول برهوم: المفردة واسعة لأننا لم نستطع حتى اليوم تحقيق هذه الجماهيرية بالمعنى العام، ففي زمن سابق مثلاً استمرت عروض المسرحية الكوميدية «الليلة عرسي» للفنان صالح الحايك، حوالي خمس سنوات، هذا ما يُمكن تسميته مسرحاً جماهيرياً بالفعل بما فيه من «تبسيط» وسعي للترفيه أكثر من تقديم مواضيع جادة وملتزمة، وهو ما يميل له عدد كبير من الناس، لكن في المسرح القومي هذه الحالة غير متوافرة.
ومن المفارقة أن واحداً من أسباب تراجع المسرح التجاري يرتبط والكلام لـ برهوم بإنشاء المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1977، لأن خريجيه تعاطوا بفوقية مع العروض التجارية، وهي حالة عرفتها دول عديدة، ولاسيما أن معظم المشتغلين في هذه العروض هواة ومحبون للمسرح، إضافة إلى طبيعة المواضيع المقدمة وشكلها، هكذا وجد خريجو المعهد العالي أنفسهم أمام مستوى أقل مما تلقوه خلال الدراسة من أساتذة درسوا المسرح في أوروبا ولديهم ميل لتطوير المسرح السوري، لذلك لم تكن طريقة تعاطيهم معه نوعاً من التعالي، لكن شيئاً فشيئاً اختفى المشتغلون لمصلحة هذا النوع المسرحي، ولا تنتهي المفارقة هنا، لأن الخريجين لم يسدّوا الفراغ ولم يقدموا بديلاً، تشرح برهوم: للأسف هؤلاء تأثروا في النجومية واستسهال العمل فاتجهت أعداد كبيرة منهم نحو الدراما التلفزيونية، من دون أن ننسى الأجر المادي القليل جداً للعاملين في المسرح، ولا حيلة لنا أمامه، مادامت الميزانيات المقدّمة لم تلحظه، والخوف أننا لن نجد في المرحلة القادمة ممثلاً يرغب بالوقوف على خشبة المسرح بسبب قلة الأجر وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما بدأنا ملاحظته بقوة حتى إن مخرجاً يستعد للمباشرة بـ«بروفات» عرضه المسرحي خلال أشهر، لم يجد حتى الآن ممثلاً يعمل معه بسبب الأجر الزهيد.
ما حصل في المسرح التجاري ينسحب في جزء منه على المسرح الجامعي الذي صنع مهرجانات وخرّج نجوماً في فترات سبقت الحرب، أمّا سبب توقفه فهو أمر يتعلّق باتحاد الطلبة، في حين إن المسرح التجريبي يتخذ مساراً مختلفاً في رأي برهوم، لأن كل مسرحية تجريبية بطبيعة الحال، طالما أنّ المخرج والكاتب يبحثان كما يُفترض عن التحديث والاختلاف، وعلى ذلك فكل مسرحية تُقدّم خارج الشكل المسرحي «الأرسطوي» بالشكل الكلاسيكي التقليدي الذي لم يعد يتماشى مع واقع وطبيعة الحياة «تجريبية»، تضيف أيضاً: اندمج المسرحان التجريبي والقومي، ولاسيما أن عدداً كبيراً من المخرجين استفاد من التقنيات الحديثة محاولاً تجاوز ما سبق، وهو أمر لا يلمسه المتابعون للأسف، والسبب أن التجديد يطول الشكل «المشهد البصري» غالباً، ويتجاهل الفكرة المطروحة، إذاً هو يقتصر على استخدام التقنيات على حساب الموضوع والحوارات بين الممثلين. في المحصلة لم يختزل المسرح القومي أيّاً من الأنواع المسرحية الأخرى لكن تقصير الإعلام والنقد يُوحي بذلك، فمعظم ما يُكتب عن العروض المسرحية، على حد قول برهوم، لا يتعدى إطار الوصف، في وقت نحتاج فيه نقّاداً يشيرون إلى مكامن الخطأ، لكن عدداً كبيراً من هؤلاء يجذبهم التلفزيون ويتناسون ما يُقدم على المسارح، وتساءلت برهوم «أين هم خريجو قسم النقد أو ما يسمى الدراسات في المعهد العالي، أين يعمل هؤلاء وبأي آلية؟، للأسف كل مجالات عملنا قائمة على العلاقات الشخصية، من يكتبون في الصحف يحولون المسرحية إلى قصة صغيرة، لا توجد مقالة تحكي عن أداء الممثل، ولا يخفى أن تراجع الحركة النقدية يرتبط بتراجع العروض المسرحية المقدمة».
اتكاءً على هذا كله تبدو الحركة المسرحية في سورية بعيدة عن «التنافس» إلا ما يأتي بشكل شخصي كرغبة في تقديم أفضل مما قدمه الآخرون، يُضاف إلى ذلك حسبما، تقول مديرة المسرح القومي، غياب المهرجانات التي تخلق أجواء تنافسيّة لكننا منذ زمن طويل، وبسبب الحصار المفروض على سورية، لم نقدّم مهرجاناً كبيراً ومشاركاتنا الخارجية محدودة.

لبنى شاكر

تشرين

شاهد أيضاً

المايسترو “معلولي” لـ “شام تايمز”: كنا ننتظر الياس الرحباني في الشام.. ولكن القدر شاء

خاص – شام تايمز – آمنة ملحم أعرب مدير عام دار الأسد للثقافة والفنون المايسترو …