(زرياب، الموسيقار المتمرد)

زرياب “علي بن نافع” الفنان الثائر، الذي اختار منفاه طواعية، نحو بلاد الأندلس، تلك البلاد الساحرة التي قرأ عنها كثيرا، وسعى الى الارتحال اليها بعد أن ضاقت عليه السبل في بغداد التي كان يحكمها ويتزعمها موسيقيا استاذه الموسيقار الكبير “اسحاق الموصلي” صاحب الرصيد الكبير من العلم والمعرفة والابداع الموسيقي الممتد، عزفا” وتأليفا وغناء وبحثا” موسيقياً متقدما، فكان الاصطدام لاحقا بينه وبين معلمه في تلك الحادثة المشهورة، وكان ماكان، ليغادر بغداد حاملا” حنينه وروحه المشرقية وابداعه الموسيقي الكبير الى تلك البلاد التي احتضنت موهبته وابداعه بكل حب وتقدير.
-انه فنان من طينة نادرة، علما وبحثا وعزفا وعارفا بأحوال المجتمع العربي بعاداته وتقاليده وكافة التفاصيل التي تحيط بشؤون معيشته، تذكر المصادر التي وثقت لابداع هذا الفنان، أنه كان ملما أيضا بعلوم النجوم والنبات والحيوان وتاريخ البلدان وقسمة الأقاليم وأسرار الحياة الاجتماعية وغيرها من علوم. وهذا مامنحه مكانة يستحقها عبر انجازه الكبير في تلك البلاد التي سحرته بأجوائها ولطف أبنائها وتقديرها الكبير لفنه الموسيقي العظيم، الذي أخلص له ولرسالته الانسانية الحضارية كمايجب ،وكأن القدر اختاره وحده، لينثر بذرة ابداعه في تلك الأرض القصيه الخصبة التي تشربت معه ذاك الضوء الموسيقي الآتي من المشرق بمايحمل من روحانية وجمالية. لقد عمد هذا الموسيقار الكبير الى تنظيم الحياة الموسيقية هناك. بشكل علمي ومنهجي متقدم، ساعده في تحقيق مشروعه الموسيقي العظيم تلك الرعاية والحفاوة الكبيرة التي نالها من حكام تلك البلاد كما من خيرة علمائها ومبدعيها من مفكرين وموسيقيين وادباء، وهكذا مزج بين التقاليد الموسيقية المشرقية بالتقاليد الاصيلة لهذه البلاد في تناغم وابداع ينم عن ذائقة رفيعة ومعرفة لاشك فيها وخاصة في مجالات تطبيق الايقاع الغنائي على الايقاع الشعري، والغناء على طريقة ونهج النوبة الاندلسية المعهودة، اضافة وهذاشيء مهم في صنيعه الابداعي الى استهلال الغناء بنشيد أو اغنية تخلو من الايقاع ومن ثم يتم الانتقال منها الى الى الألحان الموزونة التي تعتمد الأوزان والايقاعات الثقيلة والبسيطة لتصل الى مرحلة الأغنيات والمقطوعات الخفيفة الرشيقة بإيقاعها المرح المرقص وهذا مامنحه القدرة أيضا على نظم الشعر والموشحات وتلحين النوبات المختلفة بأسلوب اكاديمي ومنهجي، هذه بعض الجوانب الابداعية التي اشتهر بها هذا الموسيقار الثائر المتمرد. وهي جزء يسير من ابداعه وحضوره في ذاكرة وتاريخ الموسيقى العربية، وبالطبع لاننسى اسهامه الكبير والمميز في تطويره لآلة العود صديقه الوفي الذي ارتحل معه أينما حل وشهد على ابداعه الكبير في العزف والارتجال، فقد اضاف الى هذه الآلة عدة تحسينات وهو العالم الرياضي بأبعادها الحسابية وقيمها الصوتية والتعبيرية، فأضاف وترا خامسا أكمل به قوى الطبائع الأربع التي كانت سائدة عبر اوتاره الأربعة المعهودة، التي كانت تقوم مقام النفس في الجسد وكان لهذا الوتر أثر نغمي واضح تجلى في تلوينات وزخارف العزف التعبيري التي كانت تنقصه، وهذا مامنحه القدرة التعبيرية في تنفيذ وعزف الأعمال التأليفية الكبيرة والصعبة، بماجعل هذه الآلة العربية الصميمة ترقى الى مصاف الآلات المهمة في بلاد الأندلس وأوربا آنذاك، وخاصة من خلال معهده العظيم في قرطبة الذي أسسه هناك وأصبح على رأي المستشرق الكبير فارمر “كونسىرفاتوار” الأندلس وعُد تلاميذه من مفاخر البلاد، وبعضهم كان من أبناء الملوك والأمراء في أوربا كماتؤكد أغلب المصادر التي تؤرخ لابداع هذا النابغة العظيم الذي حفر مسارات ابداعية في تربة وطين هذه الأرض المعطاءة، التي قدم لها عطاءات مضيئة ومشرقة مكتوبة بماء الذهب المأخوذ من حروف اسمه الجميل “زرآب” ليقيم جسراً معرفياً وروحيا بين الشرق الموسيقي وبلاد الأندلس واوربا في العصر الوسيط. يقول الباحث” عبد العزيز بن عبد الجليل”في كتابه المهم عن “الموسيقى الأندلسية المغربية” عالم المعرفة الكويتية :”… ويبدو أن حدا بزرياب الى إضافة الوتر الخامس عاملان مهمان :أولهما رغبته في تجاوز التقاليد الشرقية القديمة التي كانت تفرض وجود تناسب عددي بين الطبائع الأربعة وأوتار العود. فقد كان الالتزام بهذه المقابلة ديدن فلاسفة العرب ومفكريهم، وجاء في كتبهم شروح مفصلة لأصناف الطبائع التي تشكل اوتار العود الأربعة، كأرباع الفلك، وأرباع الشهر، وأرباع اليوم، وأرباع البروج، وأرباع القمر… الخ، والعامل الثاني حرص زرياب على استيعاب طبقات صوتية أوسع مدى وأبعد في درجة الحدة، وذلك نزولاً عند مقتضيات فنية جديدة وتجسيداً للنظريات التي بثها معاصره “الكندي” في رسائله الموسيقية ويبدو ان الرغبة في بلوغ النغمات الحادة على العود كانت مما ملأ نفس زرياب منذ وجوده بحاضرة العراق.

شاهد أيضاً

“نحو عالم ملون” بوابة للارتقاء بالإنسان والوطن

شام تايمز – متابعة أعلنت وزارة التربية بالتعاون مع صالة “ألف نون” للفنون، الأربعاء، عن …