شباب يعيدون خيال الظل السوري إلى مسرح الحياة بروح معاصرة

حمل أربعة وعشرون شابا وشابة على عاتقهم خوض غمار مشروع إنقاذ تراث سوري أصيل مصقولين بشغف خيال الظل وانخراطهم طوال سنوات الحرب بالعمل المجتمعي فكانوا عماد المرحلة الثانية لصون مسرح خيال الظل السوري الذي أطلقته الأمانة السورية للتنمية ضمن برنامج “التراث الحي”.

خيال الظل أو ما يعرف بـ “كراكوز وعيواظ” أدرجته اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي التابع لمنظمة “اليونيسكو” الأممية عام 2018 على قائمة التراث الذي يحتاج إلى الصون العاجل ليأتي هذا الإنجاز حصيلة جهد مجتمعي “أهلي وحكومي” دؤوب للحفاظ على هوية مكون ثقافي تراثي وضمان استمراريته.

وفي قاعة أثرية كبيرة بقلب التكية وسط دمشق توزع هؤلاء الشباب المختارون من بين 85 تقدموا للمرحلة الأولى من البرنامج التدريبي الذي أعلنت عنه الأمانة للراغبين بخوض هذه التجربة بعد أن حققوا المعايير المطلوبة من “الخلفية المعرفية عن عنصر خيال الظل والقدرة على التحكم بنبرات الصوت وامتلاك حس الفكاهة والمعرفة بالرسم والتصميم وتأليف قصة بسيطة”.

وبعد الاختبار الذي قامت به لجنة متخصصة وخبراء بالتراث اللامادي والفن نجح 40 شخصا انتقلوا بعدها لورشة عمل لمدة يوم واحد تضمنت المبادئ الأساسية المرتبطة بخيال الظل وانتهت بتقديم عرض لكل طالب ومن ثم اختير 24 متدربا التحقوا ببرنامج التكية الذي جمع الأصالة عبر استخدام المواد والتقنيات السائدة في الماضي والحداثة بابتكار شخصيات من صميم الواقع.

ووضع البرنامج هدفا أساسيا له وهو تخريج مخايلين قادرين على نقل المعارف للأجيال القادمة وممارسة العنصر لجعله وسيلة للتعبير عن الواقع الاجتماعي الحالي بمختلف مجالات الحياة بعد ان كانت سورية لا تمتلك إلا مخايلا وحيدا وهو شادي حلاق.

وللوقوف عند تفاصيل البرنامج الذي يستمر 3 أشهر من التدريب “العلمي والنظري” رافقت سانا المتدربين أثناء تلقيهم دروسهم حيث روى يزن كرنبة اختصاص “ريادة أعمال” قصته مع ” كركوز وعيواظ” التي بدأت منذ عام 2014 عبر برنامج “مسار” في الأمانة حيث وجد في برنامج التدريب الحالي فرصة لتعزيز موهبته لافتا إلى اختياره تنفيذ شخصية “الفلاح أبو جميل”.

“سورية أم الكل” الشخصية التي اختارتها الناشطة في العمل المجتمعي نسرين بجبوج كرمز للمرأة السورية من “أم الشهيد والمربية والعاملة” مبينة أنها تحاول إيصال صوتها وأفكارها من خلالها إضافة إلى إحياء تراث سوري فريد.

نرجس وفرحات شخصيتان متناقضتان الأولى سلبية منتقدة والثانية إيجابية محاورة تعمل عليهما المعلمة والناشطة المجتمعية في مجال الدعم النفسي والمسرح مها داوود وتحاول من خلالهما ايصال فكرة مفادها أهمية بناء الشخصية السليمة والعلاقات المجتمعية التفاعلية مبينة أن انضمامها للبرنامج بناء على رغبتها بالانخراط بتعليم الطفل وتنشئته عبر الفكاهة والتسلية معربة عن فخرها بمشروع صون التراث المادي واللامادي لأنه قوة إيجابية لتنمية سورية الاجتماعية.

“أم عجقة” و”أبو صفنة” شخصيتا طالبة الدراسات العليا في مجال التراث الشعبي والفنانة التشكيلية هتون مقرش التي تحاول من خلالهما تمثيل واقع المرأة الناجحة في الوقت الحالي لجهة تحملها مسؤوليات عديدة والشخصية الذكورية الهادئة المناقضة لها ضمن محاولة منها لتكريس ثقافة الحوار وإيجاد الحلول للمشاكل اليومية مؤكدة استفادتها من البرنامج الذي أعطاها أسرار المهنة من النواحي الفنية والمعرفية.

“أبو لمعي” شخصية معاصرة اختارها المتدرب محمد يونس العامل في المجال الإنساني التنموي مبينا أنها تحاكي نموذجا واقعيا موجودا بحياة كل إنسان حيث وجد في مسرح خيال الظل أداة تعبر عن الواقع من خلال موضوعات اجتماعية تجذب المتلقي.

مشرفة مشروع “إحياء وتطوير عنصر مسرح خيال الظل في برنامج التراث الحي بالأمانة شيرين نداف استعرضت الخطوات المنفذة بالتعاون مع المجتمع الأهلي والجهات الرسمية لتسجيل العنصر دوليا مبينة ان العمل يصب حاليا بتخريج المخايلين وتشجيعهم لتصنيع شخصيات معاصرة تعكس أحوال المجتمع السوري عبر شاشة خيال الظل كنوع من الإصرار على العمل رغم ظروف الحرب.

ويشارك في البرنامج بحسب نداف نخبة من أساتذة المسرح وسيتم في الختام تقييم المتدربين وإقامة حفل تخرج يستعرض نتاج المشروع لافتة إلى أن خطة العمل مستمرة وتتضمن عروضا مختلفة بالأماكن العامة والأثرية وإقامة أنشطة مع الأطفال واليافعين وبرامج تدريبية متواصلة في منارات الأمانة المجتمعية بالمحافظات.

أما المنهاج العملي للبرنامج التدريبي فعمل على وضعه الأديب غسان كلاس موضحا ما تضمنه المنهاج من تعريف بتاريخ خيال الظل ومقوماته ومواده وتقنياته ورواده ومواصفاته وصفاته بمدارسه المختلفة الدمشقية والحلبية والحمصية والاروادية إضافة إلى النصوص المتعلقة به والتي تسمى بمصطلح “بابات”.

وأوضح كلاس أنه عندما ينخرط مجموعة من الشباب بمتابعة هذه الدورة التدريبية فإنهم يؤكدون حرصهم على تراثهم وإحيائه ويجدون في أنفسهم الكفاءة والقدرة المناسبة ليستوعبوه وليتمثلوه بقوالب ونصوص جديدة تعالج قضايا المجتمع المتعددة.

المخايل شادي حلاق الذي امتهن خيال الظل منذ 25 عاما وهو ابن حكواتي الشام رشيد حلاق عمل طوال هذه السنوات بنشاطات متقطعة ليأتي برنامج التدريب كإشعاع نور لإحيائه من جديد بحسب تعبيره.

ويختص عمل حلاق في البرنامج بتدريب المخايلين الجدد عمليا على الرسم والتفريغ والألوان على الجلد الطبيعي وصناعة قطع فنية خاصة لكل متدرب وصولا إلى مراحل الأداء والتحريك وصناعة المسرح لافتا إلى إتاحة الحرية التامة للمتدربين لاختيار شخصيات تخيلوها تعكس أفكارهم عن بيئاتهم المجتمعية معتبرا أن إدخال عنصر الحداثة في هذا الفن أمر ضروري يسهم بمخاطبة المجتمع وتقريب خيال الظل إليه.

رشا محفوض

سانا

شاهد أيضاً

الوزير عماد سارة: “لآخر العمر” يجسد بطولة كل إعلامي واكب الجيش في الميدان

خاص – شام تايمز أكد وزير الإعلام عماد سارة خلال افتتاح العرض الخاص لفيلم “لآخر …