أتساءل: لماذا سرعان ما ننسى بعض مبدعينا, وأخص أولئك المتأخرين زمناً، وبعضهم من معلمي، ومعاصري جيلنا؟ ومن هؤلاء أذكر معلّمَين كبيريَن كنت طالباً لديهما في المرحلة الثانوية, أحدهما: الشاعر عبد الباسط الصوفي (1930- 1960) بمادة اللغة العربية في ثانوية دير الزور, وكان جارنا في السكن، وغالباً كنا، أنا وأخي، نرافقه صباحاً حتى باب الثانوية..
وللشاعر الصوفي ديوان شعر وحيد بعنوان (أبيات ريفية) نال به جائزة مجلة الآداب اللبنانية, وله مئات القصائد، وأشهرها (مكادي): «مكادي../ أنا والشراعُ الغريب وقيثارتي/ غربةٌ وارتحالْ/ شُدِدنا إلى البحرِ/ والبحرُ في الغربةِ الأبديّةِ قبرُ الرجالْ».. وقد غنّى ولحّن له الفنان الراحل نجيب السرّاج قصيدة وطنية مطلعها: «عربيٌّ أنتَ أرضاً وسما/ فاملأ الدنيا لهيباً ودما»..
وأتوقف أيضاً عند أستاذي محمد الحريري (1922- 1980) وكنت طالباً لديه في ثانوية القلمون في مدينة النبك, وكان الشاعر الحريري أحد ظرفاء الشام في طبيعته وسلوكه، كما في شعره…. وأما الثانوية فقد كانت ثكنة عسكرية فرنسية مبنية فوق تل مرتفع، ويقال إن الرئيس الفرنسي شارل ديغول زارها أيام كان ضابطاً، ونام فيها، في مسيرته إلى دمشق إبان الانتداب الفرنسي…
ومن الطرائف: حين كنا، نحن الطلاب، نصعد التل مسرعين، ثم نجتاز أستاذنا الحريري.. يبدأ هو بالركض، ويسبقنا، فنركض في تّحدٍّ معه.. لكنه يصل قبلنا إلى باب المدرسة، القلعة… والطريف في الأمر أن أستاذنا كان ضخم الجسد، بوزن يزيد على مئة كيلو غرام!..
وقيل فيه إنه: «متنوع الشعر بين النمط العمودي، والتفعيلي.. وتنوعت موضوعاته بين التعبير عن التحرر والوطن والمجتمع، واهتمامه بالطبقات الفقيرة، وتصوير أحوالها، ثم عنايته بالغزل، والوصف التصويري الحركي»… ومن حسن حظي أنني تابعت الكثير من أماسيه الشعرية حين صرت طالباً في جامعة دمشق, وليس من عجب أن تكتظ قاعات الأماسي بحضور لافت من الجنسين, وربما بدأ الشاعر الأمسية بقصيدة وطنية تَلقى الاستحسان, ثم يتبعها بقصائد غزلية تشعل أكف الحاضرين, ليس لطرافتها، ومفارقاتها، وابتكاراتها وحسب، بل لطريقة إلقاء الشاعر، بما يشبه (المونودراما الشعرية) من حيث رشاقة الشاعر في صوته، وحركات جسده المعبرة, وليس غالباً، بل دائماً، غدت أماسيه أشبه بأعراس للشعر…
انتدب الصوفي كمعلم في غينيا الإفريقية, وفارق الحياة إثر (ضربة شمس).. ودفن في مدينته حمص.. بينما شاعرنا الحريري قرَّر تخفيض وزنه عبر حمية قاسية فرضها على نفسه، أودت به، كما روى بعض معارفه… إن هي إلا:… (و… الذكريات.. صدى السنين الحاكي).

وليد معماري