بين سوء الفهم والتشويه .. «العلمانية» كما عرّفها الكاتب بينارويز وترجمها صاصيلا

لايزال مفهوم ومصطلح العلمانية يشغل بال المفكّرين والمنظرين الأجانب قبل العرب، على الرغم من أنّ تجربتهم في تطبيق العلمانية ليست حديثة ومستمرة حتى اليوم على خلاف العرب الذين عرفوا العلمانية منذ زمن لكنهم، ولأسباب عدّة، لم يستمروا فيها ولم تكتب لهذا المفهوم الحياة اللائقة إلّا في دول عربية قليلة ومنها سورية، أرض التّعدد والتّنوع الثّقافي والحضاري والفكري والديني.

وفي ندوة حول كتاب «ما العلمانية» لمؤلفه الفرنسي «هنري بينارويز» الذي ترجمه الدكتور محمد عرب صاصيلا وصدر عن الهيئة العامة السورية للكتاب هذا العام، أوضح صاصيلا أنّ الكتاب يحاول توضيح مفهوم العلمانية لأنه تعرض إما لتشويه أو سوء فهم، يقول: وهذا ناشئ في الدرجة الأولى من إلصاق صفة معينة به وهي أنّ “العلمانية إن لم تكن نفياً للدين ومعادية له”، لذلك يتضمن الكتاب منطلقات معينة وعرضاً تاريخياً ونتيجة يصل إليها ليضع النقاط على الحروف، نقطة الانطلاق المبدئية هي نوع من التسليم بوجود ثنائية في الفرد وفي المجتمع، فالإنسان كما هو معروف جسد وروح، والمجتمع أيضاً فيه سلطتان أساسيتان الأولى زمنية والثانية سلطة روحية، وأما الزمنية فهي مسؤولة عن حياة مكوّنات المجتمع «الشعب» في الأمور الزمنية ومهمتها الأساسية هي تأمين الأمن والسلام للمواطنين حفاظاً على حياتهم باعتبارها القيمة الأسمى للإنسان، بينما تسعى الروحية لإيصال المواطنين أو الأشخاص الذين يؤمنون بعقيدتها إلى السعادة في العالم الآخر وأدواتها الموعظة والإرشاد وليست لديها صلاحيات استخدام العنف أو القهر لإلزام الناس بسلوك معين، أما على الصعيد الاجتماعي بالنسبة للمواطنين، فيظهر الأمر في وجود دائرتين الأولى عامة وتهمّ كل أفراد المجتمع وهي من اختصاص السلطة الزمنية إلى جانبها ما يسمى الدائرة الخاصة وتعني الفرد في علاقته مع ذاته وعلاقته مع أفراد آخرين ينتمون إلى نفس عقيدته وفكره.

ويضيف صاصيلا: يتطرق الكتاب إلى عرض تاريخي لطبيعة العلاقة بين السلطتين الروحية والزمنية من خلال استعراض موجز لواقع المجتمعات في العصور القديمة والوسطى وبدايات الحديثة، إذ يؤكد المؤلف أنّ النزاعات السياسية وفي قمتها مايسمى الحروب كانت ناشئة عن تدخل السلطة الروحية بالزمنية وبدوافع منها، وكانت السلطة الزمنية حتى القرن السادس عشر وبدايات السابع عشر صارت هناك اضطهادات وحروب دينية داخل المجتمعات الأوروبية أدّت إلى إزهاق آلاف الأرواح وهذا ما دفع عدداً من مفكري عصر التنوير على رأسهم فولتير للدعوة إلى عدم تدخل السلطة الروحية بالزمنية والدعوة للتسامح، إذاً بدأت العلمانية بالدعوة للتسامح الديني واستجابت في النهاية للتسامح ونبذ التّعصب وهذا تطور تدريجياً في المجتمعات وصولاً إلى الربع الأخير للقرن التاسع عشر وكان أكثر تطوراً في فرنسا عندما صدر قانون يثبت فصل الدين عن الدولة ولم يستخدم في ذلك الحين العلمانية، بل استخدم هذا التعبير أوّل مرّة في فرنسا عام 1946 الذي صدر بعد الحرب العالمية الثانية وتأكد مرة ثانية في دستور الجمهورية الخامسة 1958.

ويبين صاصيلا أنّ الدعوة العلمانية هي في الأساس كما نشأت ليست فكرة أو نواة فكرة ستتحول إلى إيديولوجية، يقول: هي لاتطرح نفسها كذلك وليست ضد أحد، هي عبارة عن موقف مبدئي ينطلق من الإيمان بمبدأين أساسيين الأول الحرية وحرية الضمير بالدرجة الأولى والمبدأ الثاني هو المساواة القانونية التامة بين جميع المواطنين بغض النّظر عن معتقداتهم وأوضاعهم، وهكذا فإن الكتاب يسلط الضوء على نقطة مهمة وهي أنّ العلمانية لاتقتصر على الحرية الدينية لأنّ مبدأ الحرية لايطول الملحدين واللاإدريين.

بدورها، أشارت الدكتورة ناديا خوست إلى أنّ الكتاب يثير تساؤلات كثيرة ويدفعنا للتفكير بعلمانيات أخرى، تضيف: يعرض الكتاب مسار العلمانية ومستنداتها في نصوص فلاسفة مختلفين، ونجد من خلال مايرد في الكتاب أنّ العلمانية الفرنسية لم تأت هكذا بقرار، بل سبقتها أبحاث فلاسفة ومفكرين، ويركّز الكاتب على وجود دائرتين صغيرة تحمي حرية الفرد ودائرة عامة يشترك فيها الجميع وعلى أنّ المهم في معايير العلمانية وحدة النسيج الاجتماعي وهذه الوحدة لا تتحقق إلا في التربية والتعليم، لكن نلاحظ أنّه لايبحث في التأثير الصهيوني في العقدين الأخيرين على فرنسا وسياستها ومدارسها.

وذهب الدكتور عقيل محفوض إلى القول بضرورة العلمانية في المجتمعات المتعددة إثنياً للحيلولة دون وقوع أزمات وطنية، يقول: الموضوع إشكالي وشائك، فالعلمانية مسألة أساسية بالنسبة للمجتمعات المتعددة إثنياً وثقافياً وشرط ليس للخروج من حالة الحرب بل لتفادي وقوع الحرب مرةً أخرى، لذلك لابدّ من وجود علمانية يمكن أن يتوافق حولها الجميع، مؤكداً فكرة أنّ المصطلح يستخدم بإفراط وهذا مايفقده الكثير من معناه، يبين: هناك مفاهيم مختلفة للمفهوم طرحت وهناك إشكاليات في كل العالم، إذا قرأنا بداية الدولة السورية سنجد أنّهم كانوا متطورين في نقاشهم حول العلمانية أكثر من نقاشنا هذا، ومن يظن اليوم أنّه يبدأ من الصفر بالنقاش فهو مخطئ.

يتابع محفوض: لاحظت أنّ الكتاب يقول في مقدمته كل شيء، وهذا من تقنيات الكتابة الجيدة ومؤشر على أن الاختيار موفق تماماً، فالعلمانية، حسب الكتاب، تتعلق بالفضاء العام والدولة والعقد الاجتماعي ولا يتحدث الكتاب عن الدين كنظام عقائدي بل يتحدث عن المعاني الروحية، ويتحدث في مسألة مهمة هي أنّ العلمانية تتمثل في أنّه لايمكن للبعض فرض نفسه على الكل، والعلمانية كما ورد في الكتاب هي أن يتعلّم كل فرد أن يعيش عقيدته بطريقة على مسافة كافية بعيدة عن التعصب.

ويؤكد محفوض أنّ الثقافة في مجتمعات الحرب هي شرط لفهم الواقع وليست سلاحاً فقط، وتدبر كل السبل الممكنة للخروج من الحرب، يضيف: وهذا ما يزيد من حجم المهمة الملقاة على أهل الثقافة، عسى أن تجد العلمانية والمشتغلون من أجلها فرصة فهمها والتمثل لها وأن تكون جزءاً من الأجندة الوطنية السورية قبل فوات الأوان.

نجوى صليبه

تشرين

شاهد أيضاً

“سيريان تالينت”.. وشراكة لدعم المواهب السورية

وقعت مؤسسة الحياه السورية ممثلة برئيس مجلس ادارتها المهندسة رنا زيتون، ورئيس مجلس إدارة شركة …