لا نملك في الوطن العربي ثقافة موسيقية آلية

إثارة الإرباك من دون تطويعه، في دمج لأنماط مختلفة ومتعددة كي تنصهر كلّها في بوتقة واحدة، باعثة جمالية متفردة، تصدم العقل وتحرضه على التركيز في انسجام ذوقي عال ومتناغم مع تقديم موسيقي ليس بنمطي في مقطوعاته المؤلفة، هي معادلة صعبة ولكنها ليست بمعقدة اختارتها فرقة «كُن-Fusion» الموسيقية، لتبتعد عن كل الأنماط المطروحة والسائدة من الفرق الأخرى، محافظة على الجوهر والقيمة في جو من الارتجالات الآلية الساردة لقصص لحنية وهارمونية وإيقاعية متميزة كلّ التميّز والإبداع.
«كُن-Fusion» فرقة موسيقية تأسست عام 2013، أعضاؤها: سيمون مريش (إيقاع)، جورج مالك (غيتار)، أحمد اسكندراني (ناي)، طارق المسكي (باص غيتار). ولها العديد من المشاركات في المهرجات والحفلات المحلية والعالمية، وكان منها النسخة الثامنة لمهرجان الجاز في الهند، وصحيح أنّ العمل جار لإصدار ألبومها الأول، إلا أنّ الهم الأكبر للفرقة هو تطوير المقطوعات مع تقديم كل جمالية ممكنة. اليوم وعلى هامش النشاطات التي قامت وتقوم بها الفرقة، وآخرها حفلات في المحافظات السورية وحفل على خشبة مسرح الحمراء بدمشق. صحيفة «الوطـن» حاورتها وإليكم التفاصيل.

بداية لننطلق من اسم الفرقة «كُن-Fusion» الذي من خلاله نلحظ أن المقطوعات المقدمة تنصهر وتُزيل الإرباك في الدمج الموسيقي الغربي مع الطربي والشرقي، ما تعقيبك؟
بالفعل إن الاسم بحد ذاته يطرح موضوع برنامج الفرقة، وكذلك النمط الموسيقي الذي نقوم بتقديمه، عبر دمج أنماط موسيقية بطريقة مختلفة عما هو معتاد، وعلى الخصوص فيما يتعلق بالعناصر المتنافرة التي يصعب دمجها في العادة، لكننا نقدمها في كتلة عامة منسجمة مع بعضها، ومن الاسم «كُن-Fusion» نتقدم بدعوة للجمهور كي يندمج معنا وينصهر في مقطوعاتنا المؤلفة التي تُثير الإرباك الموسيقي.

ولكن هذا الدمج أو التوزيع إلى أي مدى حذِر كي يحافظ على الجوهر والقيمة الموسيقية؟
مزج العناصر الموسيقية المختلفة لتكوين تشكيل موسيقي جديد يحتاج الحذر انطلاقا من الحرص على القيمة، وهذا أمر نحن نصيبه لأمرين الأول:هو تجاوب الجمهور وردود أفعالهم -والتي تصلنا على الفور- عند سماعهم مقطوعات موسيقية اعتادوها، ولكننا نقدمها لهم بطريقة -إنّ صح التعبير- مزخرفة بعناصر وإضافات صوتية لم يسمعوها من قبل. أما الأمر الثاني فهو: كون أعضاء الفرقة كلّهم مختصّين وأساتذة، ويتمتعون بخبرة جيدة بعالم الموسيقا رغم صغر سن البعض منهم، ومع التراكم الخبراتي ومن التجارب نصيب في قراراتنا الموسيقية. وبقي هنا أن أشير إلى نقطة هي أنه في تجربتنا الموسيقية هذه، العنصر الغنائي لدينا غائب، وقرارانا هذا كي نترك مجالا واسعا لخيال الجمهور، ومساعدته لينطلق مع موسيقانا ليصغي مرّكزا على اللحن والهارموني مع الإيقاع، سواء أكان بالشجن والحزن، أو بالفرح وبالرومانسية… إلخ بحسب المقطوعة.

هذا الأسلوب المتّبع، برأيكم أليس ضرورة لجذب أكبر شريحة من الشباب الخاضع لضغط الحياة وللنظم السريعة، من أجل تهذيب سمعه وترقية الذائقة السمعية لديه؟
بالنسبة للأسلوب المتبع فهو خليط من عدة أساليب موسيقية، عبر الوجود الآلي الموسيقي، بمعنى آلة الناي تطرح الموسيقا الشرقية بشكل قوي، إضافة للغيتار الكلاسيكي أو الكهربائي، والدرامز في الإيقاع المطلوب، إذاً كل آلة تطرح وجوداً خاصاً نطلقه بالعزف، والأخير عَبره نسرد قصصنا عن حياتنا، فحتى ما نقدمه لو كان من موسيقا الروك أو الكلاسيك، فهي تحكي عن وجعنا الذي عانيناه خلال السنين الماضية، ضمن صخب وضجيج أو تنافر-بشكل فني-مقصود لنصل إلى نقطة الذروة بالحبكة الموسيقية، وفي النهاية هذا كلّه نجتهد عليه ليكون إرثا متناقلا للأجيال المتتابعة عبر الزمن، من خلال جمهور نخبوي ومتنوع من الشباب المتابع والمهتم بالثقافة.

هناك مساع جادة لإصدار أول ألبوم لفرقة «كُن-Fusion»، لنتوقف هنا قليلاً.
في الحقيقة نحن اليوم مهتمون بمستوى المقطوعات التي قمنا بتأليفها، وهي حتى اللحظة خاضعة للكثير من التجريب والتعديلات في كل حفل نقدمه، ولكن هذا لا يمنع من مساعينا الجادة لإصدر ألبوم، ولا ننسى أن الأمر ليس بالهين فظروف الإنتاج: من استديوهات، طباعة، توزيع. كلّها من بدايتها حتى نهايتها، تحتاج إلى الكثير من التخطيط والزمن، وفي النتيجة عندما نصل إلى مرحلة الثبات في المقطوعات والدراية بحجمها، سننطلق لحفظها بالألبوم.

تشهد الساحة تنوعا في الفرق الموسيقية مع تكرار للعازفين فيها.. برأيكم هل هذه الظاهرة صحيّة أم إنها تصيب الجمهور بنوع من التشتت؟
نحن لا نملك في الوطن العربي ثقافة موسيقية آلية، بمعنى أنه لدينا ثقافة نجم ومغنٍ، لذلك نعيش في أزمة فنية، وكما جرت العادة أن يكون مقابل أتعاب المغني أو النجم، لا يقارن أبداً بالأجر الضعيف الذي يتقاضاه الموسيقي، الأمر الذي يدفع الأخير كي يعمل في أكثر من مكان وبأكثر من مجال، ليتمكن من تلبية متطلبات الحياة والمهنة، وهذه من ضروراتها توفُّر آلات موسيقية أسعارها مع زمن الأزمة الذي نعيشه أصبحت باهظة جداً، بل نستطيع القول إنها تشكل لبعض الموسيقيين ثروة، ويكونون غير قادرين على الحصول على آلة احترافية تمكنهم من كسب رزقهم. ولكن بالنسبة لوجود الموسيقي بأكثر من مكان فهذا الأمر فيه جوانب إيجابية وجوانب سلبية. فالإيجابي يُحسب لخبرته وتمكّنه من آلته مع الإضافات التي سيكتسبها. ولكن الجانب السلبي يكون بكثرة الالتزامات والارتباطات مع ساعات البروفات الطويلة التي ستُربكه وستؤثر في مشروعه الموسيقي، ولن يقدم موسيقاه بشكل حقيقي، إلا إذا كان منظما لوقته. وأعود إلى فرقة «كُن-Fusion« فالجمهور يُثني دائماً على الانسجام بين الأعضاء، وحتى كثيراً يقولون إننا نبدو لهم وكأننا نعيش مع بعضنا كإخوة، وبالطبع الأمر صحيح لأن الساعة التي نقدمها في حفلاتنا، يقابلها ساعات طوال من البروفات والتحضيرات والتمرينات.

لماذا لا يوجد لدينا مهرجان سنوي للفرق الموسيقية؟
هنا لابد من توجيه الشكر لوزارة الثقافة لكونها تتيح للفرق الفنية مسارحها سواء في الهيئة العامة للثقافة والفنون أو في المراكز الثقافية. أما بالنسبة لفكرة المهرجان أحب أن أذكر أنني منذ فترة عام تقريبا، قد عملت على فكرة مشروع لمهرجان فرق موسيقية ومهرجان لمؤلفين موسيقيين، والدراسة كلّها جاهزة ولكننا نفتقر للتمويل اللازم. وكاقتراح وحتى تعود كل المهرجانات التي كانت قائمة قبل الأزمة، الأمر يحتاج إلى جهة تجارية محلية معنية بهذا النوع من الثقافة وداعمة دعما حقيقيا للموسيقيين المختصين بأنماط موسيقية ملتزمة ومختلفة عما ينتشر في الساحة، ولكن للأسف كل الشركات الخاصة المنتجة-وهم محقون من جهة الأرباح-عندما نتقدم لهم بمشروع موسيقي لا يهتمون، لكونهم يتوجهون نحو أسماء النجوم المهمة التي تعود عليهم بالأرباح المطلوبة، لذلك كل المعوقات يمكن تجاوزها عندما يتوافر التمويل. وأخيرا أنا أتمنى أن يتم تبني هذا النوع من النشاطات وأن تصبح مع تكرارها عرفا متبعا، كي تستقطب الجمهور بكامل شرائحه وتحقق التأثير الثقافي المطلوب فيه، كما هي الحال في المهرجانات في دول العالم، حيث يعيش الجمهور حالة ثقافية متجددة ومختلفة بشكل دائم.

ماذا عن السفر والمشاريع-غير الألبوم- الخاصة بفرقة «كُن-Fusion»؟
من فترة شاركت الفرقة بحفل في مهرجان الجاز في الهند في نسخته الثامنة، وكانت الدعوة من تنظيم مؤسسة «صدى» الثقافية، والجميل أن الأصداء كانت جدّ جميلة.
وبالطبع وُجّهت لنا الدعوة للمشاركة بالنسخة التاسعة من المهرجان نفسه، إضافة إلى دعوات للمشاركة في مهرجانات عربية، والفرقة ستحاول الحضور وتجاوز العقبات من عبء تكاليف السفر-التي يتحملّها الموسيقي-مع الحصول على التأشيرات.

في الختام أنتم ملتزمون موسيقياً ووطنياً وبالبقاء في سورية، ما تعقيبك؟
صحيح، نحن خلال سنوات الأزمة ما زلنا موجودين في سورية الوطن، وعشنا الأزمة بكل تفاصيلها، وسأكتفي بالحديث عن الفرقة، فالموسيقا بالنسبة لنا هي كالرئة للجسم، ونحن ما زلنا نتنفس، ومن «كُن-Fusion» نوجه دعوة للسوريين بالالتفاف نحو الغذاء الروحي، فلقمة العيش والأمن والأمان عناصر غير كافية لاستمرار الحياة بشكل أفضل، فلا يجوز تجاهل الفنون التي تُرتقي الإنسان وتُبرز الجانب الجميل فيه وتعكس أخلاقه. إذا الموسيقا والفنون هي التي ستبني الإنسان السوري من جديد متجاوزاً الأزمة.

سوسن صيداوي

الوطن

شاهد أيضاً

الوزير عماد سارة: “لآخر العمر” يجسد بطولة كل إعلامي واكب الجيش في الميدان

خاص – شام تايمز أكد وزير الإعلام عماد سارة خلال افتتاح العرض الخاص لفيلم “لآخر …