أهمية دراسات الجدوى الاقتصادية

إذا كانت بعض المراجع الاقتصادية قد اختلفت في تحديد مفهوم دقيق لدراسة الجدوى أو في عناصرها الرئيسية أو خطواتها فإن الجميع متفقون على مدى أهمية هذا النوع من الدراسات على المشاريع الاستثمارية وبخاصة في الدول النامية التي تعاني من محدودية الموارد والإمكانيات، مما يتطلب معه تحقيق التوزيع الأمثل لهذه الموارد بحيث تتحقق أقصى منفعة ممكنة تساهم في تسريع وتائر التنمية التي تحتاجها لتلبية الحاجات والخدمات المتنامية ورفع مستوى معيشة شعوبها.
ومن هنا تبرز أهمية دراسات الجدوى كونها أحد المقومات الأساسية لتنفيذ مشروعات ناجحة تخدم أهداف التنمية.
ورغم أن قرارات الاستثمار التي يتخذها المستثمر الخاص غالباً ما تبنى على دراسة الربحية التجارية وتحقيق أقصى المنافع والأرباح من المشروع، إلا أن عدم القيام بدراسة الجدوى ضمن أسس علمية ومعطيات واضحة تتناول جميع جوانب الدراسة سواءً من الناحية التسويقية أو الفنية أو المالية غالباً ما تؤدي إلى حالات فشل أو تعثر.
والواقع أنه في البلدان النامية ونظراً لنقص الكفاءات في مثل هذه الدراسات بالإضافة لنقص المعلومات المختلفة المتعلقة بجوانب المشروع والبيئة المحيطة به، والعوامل المؤثرة عليه، فإن بعض المشاريع الخاصة والتي أقيمت دون دراسة شاملة للظروف الحالية والمستقبلية قد تتعرض لخسائر، وهذا ما يؤدي في النهاية لهدر الطاقات والإمكانيات التي كانت يجب أن تستثمر بصورة اقتصادية مثلى، بحيث تعود بالفائدة على المستثمر وعلى الاقتصاد الوطني في الوقت نفسه.
ومن هنا يمكن التأكيد على (إن أساس نجاح أي مشروع استثماري يحتم على المستثمر بطبيعة الحال أن لا يندفع عند اتخاذ قرار الاستثمار، فسياسة الاندفاع والتقليد الأعمى التي اتسمت بها بعض القرارات الاستثمارية في الماضي يجب على المستثمر الناجح أن يعدل عنها إلى سياسة التروي والتعمق في الدراسة، فالمجال لا يتسع إلا للمشروعات التي تتمتع بجدوى اقتصادية سواءً بالنسبة للمستثمر نفسه أو للمجتمع ككل).
يمكن القول أن أي استثمار جديد أو توسع سواءً قامت به الدولة أو المستثمر الخاص سوف يكون له جملة من النتائج المباشرة وغير المباشرة على مجمل الاقتصاد الوطني، ومن هنا تنبع أهمية أن يحقق هذا الاستثمار جميع معايير الجدوى المطلوبة وأن يعود بأقصى فائدة ممكنة.
والواقع أن من الأهمية في هذا المجال التمييز بين المشاريع الخاصة والمشاريع العامة وأثر كل منها على الاقتصاد الوطني نظراً لاختلاف الأهداف في بعض الأحيان.
أي أن المشروع الخاص ينبغي له بالإضافة لتحقيقه لأقصى العوائد أن يساهم أيضاً في تحقيق مجموعة من الأهداف القومية والاجتماعية والتي تضعها خطط التنمية سواءً في تشغيل الأيدي العاملة أو زيادة حصيلة القطع الأجنبي أو نقل المعارف والتكنولوجيا بصورة مدروسة وغيرها من الأهداف.
كما أن المشروع الصناعي العام يجب أن لا يُنظر إليه كآلية لتحقيق أهداف اجتماعية فقط دون الاكتراث بأهداف الربحية التجارية لأن في ذلك يكمن خطر الهدر وعدم المبالاة والتعثر.
ومن هنا يمكن التأكيد على أنه بالرغم من وجود معايير سياسية واجتماعية غير معيار الربح تتدخل في التوجه العام للاستثمارات في المشاريع العامة إلا أن هذا لا يعني انعدام الدور الذي يلعبه الربح في توجيه الاستثمارات التي تقرر الدولة في ظل المشروع العام إنفاقها على إنشاء مشروعات التنمية، فللربح دور هام يلعبه في اختيار مجموعات المشاريع التي تقام داخل كل قطاع من قطاعات الاقتصاد الوطني بالإضافة لدوره في الحكم على كفاية تشغيل المشروعات العامة وقياس مدى كفاءتها.
لقد أصبح من المهم النظر إلى هذه المسألة عبر التخصيص الأمثل للموارد بحيث تتحقق أعلى درجات الربحية التجارية والربحية الاجتماعية للمشروع الخاص والعام على حدٍ سواء، فدراسة الجدوى الجيدة التي يقوم بها المستثمر الخاص رغم أنها قد لا تضع ضمن أولوياتها تحقيق الأهداف الاقتصادية الكلية إلا أن مجرد ارتباطها بخطط التنمية والحاجات الملحة الحالية والمستقبلية يعتبر بحد ذاته نوعاً من المساهمة في الأهداف الاقتصادية والاجتماعية عبر توجيه الموارد المتاحة والمحدودة سواءً في رؤوس الأموال أو المواد الخام وخصوصاً في البلدان النامية نحو تحقيق أقصى منفعة لمجمل الاقتصاد الوطني.
وفي الوقت نفسه فإن الضوابط التي تضعها دراسة الربحية الاقتصادية التي ترتكز على مفهوم القيمة المضافة القومية الصافية يجب أن تكون مرتكزاً نحو تحقيق المشروع الخاص لأقصى ما يمكن من الأهداف الاقتصادية.

وفي سورية لابد في مرحلة التعافي والانتعاش التركيز على إعداد دراسات جدوى اقتصادية ذات مدلول علمي وواقعي تنسجم فيه الأهداف الجزئية على مستوى المستثمر مع الأهداف الكلية على مستوى الاقتصاد الوطني لتحقيق هدف وحيد وهام ألا وهو (الاستثمار الأمثل للموارد وتحقيق الريعية القصوى).

دمشق في 25/9/2019.

كتبه: د. عامر خربوطلي

شاهد أيضاً

عنق الزجاجة

بلغة بسيطة يفهمها الجميع المطلوب من الاقتصاد السوري أن يخرج من عنق الزجاجة التي دخل …