في رحاب محاكم الميدان ..الفاضلة: عارف الشعال

بعد إلغاء محكمة أمن الدولة العليا و بقاء محاكم الميدان الرهيبة و التي تعتبر أشد ظلماً و فتكاً بالمتهم ، نعرض لرأي أحد كبار علماء القانون و فقهاؤه بهذه المحاكم الجزائية الاستثنائية ، و هو المرحوم الدكتور عبد الوهاب حومد في مرجعه القيم – دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن – طبعة 1987 – ص772 و ما بعدها ، حيث يقول :

(( حينما تذكر المحاكم الجزائية الاستثنائية …، يشعر المرء بنوع من قشعريرة كريهة تخترق نفسه و حواسه ، لأن أول ما تثيره في مخيلته هو مناظر الضحايا التي تساق إلى ساحات القتل دون أن تتاح لهم الفرص الشرعية التي قررها الدستور و القانون لكل متهم ، ليدافعوا عن أنفسهم في إطار عادل من الضمانات المنصفة ..

حفظت لنا وقائع الماضي أدلة دامغة على أن الذين يصلون إلى السلطة يصممون على البقاء فيها ، لذلك فإنهم كثيراً ما يلجأون إلى إنشاء هذه المحاكم للتخلص من خصوم وقعوا في قبضتهم ، و في نيتهم ألا يتركوهم أحياء أو أحرار مهما كانت اعتبارات العدالة .

و من عجب أن رجال الثورة الفرنسية عام 1789 و هم الذين قدموا حياتهم قرابين على مذبح المبادئ المثالية ، و قامروا بوجودهم للقضاء على النظام الملكي تخلصاً من جوره ، استخدموا هم أيضاً المحاكم الاستثنائية على نطاق واسع لتصفية خصومهم من رجال العهد البائد ، ثم أخذت هذه المحاكم تستخدم كسلاح لتصفية رجال الثورة أنفسهم ، فئة إثر فئة ، تطبيقاً للمثل الشهير ” الثورة تأكل أبناءها ” .

و القرن العشرين أعاد للمحاكم الجزائية الاستثنائية اعتبارها الذي فقدته ، فعادت إلى الظهور و كأنها نباتات الشر السامّة …

و في سوريا أنشئت محاكم الأمن القومي ، و المحاكم العسكرية الاستثنائية ، و محاكم أمن الدولة العليا ، و كلها مارست القضاء بصورة تعسفية لا وفق معايير العدالة المعروفة ، و الواقع أن أكثر قضاة هذه المحاكم يؤخذون من خارج الجهاز القضائي و دون أن يكونوا مارسوا رسالة القضاء قبلاً .

بل إن من بينهم من لم يكن من حملة شهادة الحقوق على أقل تقدير ، و كانوا أسخياء في توقيع عقوبة الإعدام …….

و الذي نراه نبذ هذه الزمرة من المحاكم نهائياً و النص على تحريم إنشائها في الدستور ، و نحن نعلم أن هذا لا يكفي ، لأن الأحداث علمتنا أن الدستور نفسه يداس بالأقدام في بعض المناسبات الأليمة ، و تظل المسألة مسألة قناعات قومية و حضارية و ثقافية ، و هذه بلا شك تحتاج إلى تربية وطنية و أخلاقية عالية يجب أن يقتنع بها القادة أولاً ليكونوا مثلاً أعلى لمواطنيهم ، و يؤمن بها الشعب نفسه ليدافع عن مؤسساته الدستورية …

و يقيناً أن القضاء الاستثنائي قد أثبت أنه قضاء فاسد لا يصلح لإحقاق حق و إزهاق باطل ، و من مصلحة الأنظمة السياسية ألاّ تمارسه أبداً إذا كانت لا تريد أن تظلم ، أو أن يحاسبها التاريخ على ما ارتكبت في حق العدالة . ))

شاهد أيضاً

الأولوية لإعادة المهجرين إلى منازلهم القابلة للسكن

شام تايمز – متابعة أكد محافظ دمشق “عادل العلبي”، أن العمل جار لإعادة المهجرين إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.