اغتيال عبد الرحمن الشهبندر..تفاصيل – خفايا – آراء(3من3)

هنالك بعض الإجراءات والحوادث التي رافقت جريمة الاغتيال ومجريات محاكمة القتَلة يمكن أن يبنى عليها آراء مخالفة أو آراء أخرى، فقد أصدر مدير الدعاية الفرنسي أمراً بإيقاف قاضي التحقيق الفرنسي “فلاديمي السبع” عن متابعة التحقيق في هذه الجريمة، لأنه كاد أن يتوصل لنتيجة مغايرة واكتشاف الجناة الحقيقيين، وشكلت لجنة برئاسة الفرنسي بوريفييه وصدر قرار بحق كل من سامي الحفار، وعاصم النائلي، وجميل مردم بك، وسعد الله الجابري، ولطفي الحفار، لاعتراف أحمد عصاصة عنهم وبأنهم أقنعوه بأن الشهبندر كافر وخائن وأنهم سيدفعون له مبلغ 400 ليرة سورية.

برغم أن مذكرة الاعتقال لم تتضمن إلقاء القبض على شكري القوتلي، لكن جرت إشاعات أن بهيج الخطيب رئيس مجلس المديرين- بمعرفة السلطات الفرنسية- رتب مجموعة من مؤيدي الشهبندر واعتدوا على منزل القوتلي بالحجارة وحطموا سيارته. وقيل حينها إن الذين اتهموا باغتيال الشهبندر كانوا جماعة من الأميين، لا يميّزون كثيراً بين المستعمر الفرنسي أو الاستعمار الإنكليزي وإنهم لم يكونوا سياسيين، وقرأت منذ فترة زمنية تعليقاً على اغتيال الشهبندر لم أعد أذكر من هو كاتبه يقول: (حدثني أحد أنجال القاضي عبد الستار السندروسي وهو أحد المقربين من الراحل عن والده المذكور أنه كان قد ألّف كتاباً تحت عنوان (من قتل الشهبندر) لكنه لم يطبعه اتّهم فيه إحدى الشخصيات الكبيرة في سورية بالتورط في قتله لكنه لم ينشره خوفاً على نفسه وبعد إلحاح شديد مني صرح لي الراوي باسمه.

وكان المفوض السامي في بيروت(المسيو ـ بيّو) قد أرسل في اليوم نفسه “6 تموز” الذي اغتيل فيه الشهبندر برقية إلى حكومته يقول فيها: “إن الشهبندر المنافس الأول للكتلة الوطنية، والمعروف ارتباطاته بالمصالح البريطانية، قد قتل من قبل مجهول”.‏ وأضاف: “إنه من الواضح أن الجريمة سياسية وأنه يجب التحري عن الفاعلين في الدوائر الوطنية”. وهكذا قرر المفوض السامي قبل أن يتوجه إلى دمشق أن يلصق الجريمة بالوطنيين.

وفي شهر تشرين الأول من عام 1940 أرسل (المسيو ـ بيّو) المفوض السامي الفرنسي لحكومته يقول: إنه نتيجة اعترافات القتلة، فقد اتهمت عائلة الشهبندر بعض زعماء الكتلة الوطنية منهم جميل مردم بك – سعد الله الجابري – لطفي الحفار وتم تجريمهم، لكنهم غادروا البلاد، فجميل مردم بك ولطفي الحفار هربوا إلى العراق عن طريق الصحراء وذلك ليل 15- 16- تشرين الأول 1940، كما تقدمت عائلة الشهبندر بتجريم شكري القوتلي لكن قاضي التحقيق أسقط الاتهام.

تذكر سلمى مردم بك في أوراق جميل مردم بك: (اجتماعات عقدت في منزل شقيق حرم شهبندر، السيد نزيه المؤيد، في شارع نوري باشا، وحضرها السيد صفوح المؤيد وهو من الذين يقول عنهم المفوض السامي بأنهم أظهروا الولاء لتجربة الانتداب. وكان يحضر هذه الاجتماعات السيد بهيج الخطيب ومعه مدير عام العدلية. وكانت الغاية من هذه الاجتماعات هي الضغط على المتهمين من أجل إعطاء الإفادات التي تطلب منهم بناء على (الوصفة) المعدة من قبل ضباط المصالح الخاصة، وقبيل أن يمثل المتهمون أمام قاضي التحقيق، الكولونيل كويتو).

أحد المتهمين في قضية قتل الشهبندر من عائلة “الغندور” قال في إفادته أمام المحكمة: إن بهيج الخطيب رئيس مجلس المديرين وابن عمّه حسين الخطيب طلبوا منه أن يتهم الكتلة الوطنية وأعطوه اسم جميل مردم بك ولطفي الحفار وسعد الله الجابري وقد هددوه وشتموه.

والمتهم أحمد عصاصة قال في إفادته أمام المحكمة: إنه سمع أن الشهبندر كان إنكليزياً وملحداً وسفورياً (يدعو لسفور المرأة) ومفرقاً للصفوف واعترف بأنه ذهب إلى عيادة الشهبندر ولكنه لم يقتله لأن الذي قتله هو محمد الحرش الذي كان متنكراً بزي امرأة؛ لكنه في الجلسة الثامنة من المحاكمة التي عُقدت بعد ظهر يوم 23 كانون الأول 1940 اعترف بأنه القاتل، ويقول عصاصة في الجلسة الثامنة: (تآمرنا على قتل الشهبندر ومردم بك والخطيب بهيج بك. وكان من نصيبي قتل الشهبندر، والحرش لقتل مردم بك. ونفى أي علاقة لمردم بك وغيره في جريمة القتل وقال (ما قرّرناه مدفوعين بعقيدتنا الدينية).

وجوه حول القضية:

بدأت المحاكمة في قضية اغتيال الشهبندر يوم 19 كانون الأول، ومن الشهود في قضية اغتيال الشهبندر عرف إبراهيم الكردي، وشخص من عائلة (الدرخباني) والشرطي هاشم المهايني.

تم اتهام حوالي 80 شخصاً في هذه القضية وأغلبهم من أعيان سورية، فإضافة للمتهمين الذين وردت أسماؤهم في سياق الحديث عُرف منهم، المجاهد أبو صيّاح الحَرَش وهو من أعيان حي الميدان، والشيخ الكتاني الذي قال عنه أكرم الحوراني: ” كنت أمقت هذا الشخص للشبهات التي كانت تحوم حوله ولاسيما في قضية اغتيال المرحوم الدكتور الشهبندر. “وكان اتهام عاصم النائلي السكرتير الخاص لجميل مردم بأنه رأس الحربة، كما شمل الاتهام قريب لطفي الحفار المدعو سامي الحفار.

شهدت جلسات هذه المحاكمة حشوداً من المحامين من سورية ولبنان، ونزل محامو لبنان الذين جاؤوا من بيروت في فندق أوريان بالاس.

وكان المحامي الفرنسي جان فران يمثل كبير محامي جهة الادّعاء الشخصي والنقيب فؤاد القضماني يتولى إدارة جهة الادّعاء الشخصي، وكان في صف محامي الادّعاء الشخصي السياسي والوزير الدكتور منير العجلاني وهو من أنصار الشهبندر وعلى علاقة وثيقة معه ويقال إن اغتيال الشهبندر غيّر مجرى حياة العجلاني.

وكان النائب العام الزعيم مصطفى حكمت العدوي، ورئيس المجلس العدلي المعين من المفوض السامي هو بوريفييه رئيس محكمة الاستئناف الناظرة بقضايا الأجانب في حلب.

بلغ عدد وكلاء الدفاع عن المتهم عاصم النائلي حوالي عشرين محامياً منهم إحسان الشريف، إميل لحود، جان جلخ، حبيب أبي شهلا أحد وكلاء الدفاع عن عاصم النائلي، ومن محامي الدفاع عن المتهم أحمد عصاصة عُرف المحامي مختار مخيش.
انتهت المحكمة بصدور قرار المجلس العدلي ببراءة الكتلة الوطنية والحكم على القتلة، وبلغت صفحات القضية ستمئة صفحة.

وأخيراً:

مضى على اغتيال الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر الشخصية اللامعة والمحبوبة جداً من أوساط الشعب حوالي السبعين عاماً ولم تحلّ ألغازها، ونُفذ حكم الإعدام والأشغال الشاقة بعدد من الأشخاص الذين أدينوا بالاغتيال، وأطلق سراح المتهمين الباقي وتم تبرئتهم، لكن حتى الآن لم يُمَط اللثام عن القوى والشخصيات التي يمكن أن تكون مهدت لهذه الجريمة، ويبقى السؤال قائماً هل كان الشهبندر ضحية لسياسيين وجدوا فيه منافساً خطيراً؟ هل كان ضحية لعملاء الاستعمار الفرنسي؟ هل قتلته القوى الظلامية التي سبق أن اتهمته بالكفر بسبب بعض أفكاره وتصريحاته؟

وما يزال الأمر مجهولاً. يبقى الأمر الواقع أن هذه الجريمة النكراء، التي أطاحت بالدكتور الشهبندر، قد غيبت أكبر عدو للانتداب الفرنسي، وشردت أربعة من الزعماء الوطنيين عن وطنهم مدة من الزمن.

ويبقى ما قاله رئيس وزراء سورية السابق حسن الحكيم محطَّ اهتمامنا واستغرابنا (ليسامح “الله” الذين كلما قام فينا زعيم مخلص سعوا لتنكيس علمه، وعملوا على الحط من قدره).

المراجع:

– عبد الرحمن الشهبندر ودوره السياسي في سورية، نهلة نعيم عبد العالي.
– أوراق جميل مردم بك، سلمى مردم بك 1994 م
– مذكراتي، حسن الحكيم الجزء الأول 1965
– سورية والانتداب الفرنسي، يوسف الحكيم 1983
– محاضرات عن سورية من الاحتلال إلى الجلاء، نجيب الأرمنازي 1954
– الذاكرة الشعبية لبعض أبناء دمشق.

شمس الدين العجلاني – أثينا

alajlani.shams@hotmail.com

الازمنة – شام تايمز

لتبقون على تواصل دائم معنا والاطلاع على أهم الأخبار تابعونا على الفيس بوك عبر الضغط على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/pages/chamtimes.com

شاهد أيضاً

اتفاقية تفاهم وتعاون لتدريب 1555 شاب وشابة ضمن كافة الاختصاصات السياحية

شام تايمز – متابعة وقعت الهيئة العامة للتدريب السياحي والفندقي اتفاقية تفاهم وتعاون مع جمعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.