اغتيال عبد الرحمن الشهبندر ..تفاصيل – خفايا – آراء(2من3)

ذكرنا في الحلقة السابقة أن قضية اغتيال السياسي والمفكر الوطني عبد الرحمن الشهبندر برغم مرور أكثر من السبعين عاماً عليها لم تزل تكتنفها التشابكات والغموض، وأن كتاب (أوراق جميل مردم بك – استقلال سورية 1939 – 1945) تعرض بالتفصيل لجريمة اغتيال الشهبندر ومجريات المحاكمة وبراءة رجال الكتلة الوطنية، ومع ذلك لم يغلق ملف القضية ولم يزل الغموض يكتنفها، والآراء السياسية تتقاذفها، وأن هنالك أيادٍ خفيفة وراء الجريمة ولم يكن عصاصة ومجموعته سوى الأداة لتغييب حقائق هذه الجريمة، والآن نتابع الخوض في غمار هذا الاغتيال السياسي لأحد كبار رموز الحركة الوطنية زمن الانتداب الفرنسي في محاولة لكشف اللثام عن خفايا ما حصل:

وصف دقيق للجريمة:

يوم الأحد في السابع من تموز سنة 1940، كان الدكتور الشهبندر في عيادته الكائنة في منطقة الشعلان بدمشق (القريبة من شارع المجلس النيابي) في بناء الشنواني الطابق الأول الفني، يعاين زائريه من المرضى، وكانت العيون المجرمة تراقب العيادة والداخلين والخارجين منها، وعند مغادرة آخر المرضى للعيادة وقت الظهر، جاء العيادة خمسة أشخاص يحمل أحدهم سلة تفاح، فسلمها إلى مستخدم العيادة إبراهيم الكردي (أو أبو إبراهيم الكردي) الذي كان واقفاً على الباب، فدخل بها إلى العيادة ووقف أحد الخمسة القادمين خارج الباب واثنان على الدرج المؤدي إلى العيادة ودخل الاثنان الباقيان غرفة المعاينة وتقدم أحدهما، المدعو أحمد عصاصة، من الطبيب الشهبندر يشكو له شدة الألم في رأسه وأحشائه.

فعطف علية الدكتور وهمّ ليفحصه وفي الحال عاجله الجاني بإطلاق الرصاص من مسدسه على رأسه، فأرداه قتيلاً على الأرض وخرج من العيادة مسرعاً وهرب هو ورفاقه الذين كانوا يراقبون العيادة، لم يشاهد أحد القتلة سوى مستخدَم العيادة إبراهيم الكردي الذي أسرع إلى غرفة الشهبندر حين سمع صوت إطلاق الرصاص فذهل ولم يستطع النطق بكلمة، وركب القتلة سيارة كانت بانتظارهم أمام بناء العيادة، أسرعت السيارة بالقتلة إلى البساتين المتصلة بمدينة دمشق حيث لجؤوا إليها هرباً من الدرك.

انتشر خبر الفاجعة بسرعة البرق في دمشق وباقي المدن السورية والعربية فخيم الحزن على مصرع الدكتور الشهبندر على الوجوه والأفواه.

وفي اليوم الثاني للجريمة، شيّعت دمشق جثمانه وسط الجماهير الغفيرة من الجامع الأموي، حيث أبّنه الكثيرون من السياسيين والعلماء والأدباء والشعراء وجماهير مريديه ودفن بجوار قبر صلاح الدين الأيوبي خلف الجامع الأموي.

لم يمض على هذه الجريمة 24 ساعة حتى تمكنت قوات الدرك بدمشق، من اعتقال المجرمين “اختُلف في عددهم قيل ثلاثة وقيل أربعة وقيل خمسة”، وهم أحمد عصاصة وأحمد المصري وأحمد الطرابيشي والشيخ أحمد معتوق. ولدى استجوابهم والتحقيق معهم، اعترف أحدهم وهو أحمد عصاصة، بأنه هو الذي أقدم على قتل الشهبندر لقاء مبلغ أربعمئة ليرة ذهبية ستدفع إليه من قبل جميل مردم بك بواسطة أمين سرِّه عاصم النائلي، ومن ثم غيّر إفادته في المحكمة وفي نهاية المحاكمة أصدرت المحكمة قرارها بإعدام القاتل أحمد عصاصة ووضع رفقائه الأربعة الذين صحبوه حين ارتكاب الجريمة بسجن الأشغال الشاقة وبراءة المتهمين الفارين وعلى رأسهم أركان الكتلة الوطنية الأربعة.

رافق اغتيال الشهبندر شائعة عمت دمشق مفادها أن الكتلة الوطنية كانت وراء الاغتيال وانتشرت هذه الشائعة بدمشق انتشار النار في الهشيم، لأن الشارع الدمشقي كان يعيش لحظات الخصومة اللدودة بين الشهبندر والكتلة الوطنية، لقد أصاب الشهبندر الكتلة الوطنية بالعديد من سهامه التي قلصتها جماهيرها وأفقدتها العديد من مؤيديها وكان من أهم اتهامات الشهبندر للكتلة الوطنية توقيع معاهدة 1936 مع فرنسا التي لم يرد فيها أي إشارة إلى لواء اسكندرون (إلا من أجل توضيح النظام المالي والإداري) واتهامهم بشكل صريح وعلني بأنهم وراء ضياع هذا اللواء وضمِّه إلى تركيا.

قالوا حول الجريمة:

هنالك دلائل وآراء وشائعات وهمس وراء الكواليس رافق جريمة الاغتيال لسنوات عديدة منها ما تناقله الأبناء عن الأجداد ومنها ما تناولته الصحف السورية والعراقية والمصرية، وذكرها الساسة والباحثون في مذكراتهم وأحاديثهم، فجريدة الزمان العراقية في عددها 943 تاريخ 21 تشرين الأول 1940 تحدثت عن مؤامرة (يبدو مما كتب في الصحف المحلية أن هؤلاء” المقصود سعد الله الجابري وجميل مردم بك ولطفي الحفار “علموا “بالمؤامرة” الفرنسية المدبرة فسافروا بدون ترخيص أو سماح من سلطات الانتداب في سورية)، ونجيب الأرمنازي السياسي وأمين عام رئاسة الجمهورية في الثلاثينات من القرن الماضي يقول في محاضرة له أمام طلبة قسم الدراسات التاريخية عام 1953م عن اغتيال الشهبندر: (لقد أثار هذا الاغتيال اضطراباً في النفوس وقلقاً في الخواطر، وشغل الناس بالمحاكمة التي نشأت عنه حيناً من الزمن.

وقد اتُهم زعماء الكتلة الوطنية بأن لهم ضلعاً في الحادث، ولكن القاتل الذي تولى الجريمة كان مريداً لأحد مشايخ الصوفية “المقصود الشيخ الكتاني” الذي جاء من المغرب، فحضّه على الاعتراف بحقيقة الأمر والمحكمة مجتمعة، فاعترف اعترافاً صريحاً لم يدع مجالاً للشك. وحكم بالإعدام على القتلة.

وبرِّئت ساحة الوطنيين الذين ذهبوا إلى العراق) في حين يقول الوزير والقاضي السابق يوسف الحكيم: (غير أن تبرئتهم المعلنة قضائياً لا تحول دون وجود مؤامرة كان أبطالها ناقمين على الدكتور، فأثاروا عليه القتلة الجهال….) ونصوح بابيل السياسي والصحفي المعروف كان في كتاباته وأحاديثه، يشير بأصابع الاتهام إلى جهات أجنبية في اغتيال الشهبندر بالتعاون مع عناصر متطرِّفة، مرتبطة ربما بأشخاص ثانويين من الكتلة الوطنية.. والمحامي هاشم عثمان في كتابه “المحاكمات السياسية في سورية” يقول (عبد الرحمن الشهبندر طبيب قتلته السياسة.

وسبب مقتله عداؤه لحزب الكتلة الوطنية “الذي كان يحكم سورية” وموقفه المعارض للمعاهدة التي عقدتها الكتلة مع فرنسا سنة 1936…. وفي سنة 1940 اغتال ثلاثة أشخاص الدكتور الشهبندر في عيادته في دمشق “وهزّ مقتله الشام هزاً وتوجهت أصابع الاتهام فوراً إلى الكتلة الوطنية وجميل مردم بك بالذات وقد حكم بالإعدام على الرجال الثلاثة وأعلنت براءة مردم بك وعدد من سياسيي الكتلة الوطنية.).

ولكن الزعيم السياسي أكرم الحوراني أدلى بدلوه في هذه الجريمة النكراء بصراحة أكثر فقال:

شهادة أكرم الحوراني :

يقول الزعيم السياسي أكرم الحوراني في مذكراته : (في يوم 6/7/1940، بعد انتهاء عملي في المحكمة، حيث كنت أمارس المحاماة، ذهبت إلى مقهى الفندق لتناول طعام الغداء، ولم يكد يستقر مقامي حتى سمعت من إذاعة راديو الشرق نبأ اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في عيادته بدمشق. فانفجرت باكياً. وكان يجلس قريباً مني الأستاذ هاني السباعي رئيس محكمة البداية بحماة آنذاك ونائب حمص فيما بعد، فأقبل نحوي يسألني مستفسراً، فأخبرته بالنبأ المفجع فاغرورقت عيناه بالدموع أيضاً.

وقد تتبعت باهتمام، مع جميع المواطنين، أنباء محاكمة القتلة دون انقطاع وكانت الشبهة تحوم حول اشتراك الشيخ الكتاني، ومشايخ الجمعية الغراء، ورجال الكتلة الوطنية عاصم النائلي وجميل مردم وسعد الله الجابري ولطفي الحفار الذين فرّوا إلى العراق، ولكن المحكمة العسكرية الفرنسية التي كانت تعقد جلساتها في بناء مجلس النواب برأت ساحتهم جميعاً وحكمت بالإعدام على القاتل أحمد عصاصة وعلى شريكيه صالح معتوق وأحمد طرابيشي. وقد نُفذ حكم الإعدام فيهم شنقاً بتاريخ 3 شباط 1941. وكان حكم المحكمة الفرنسية مخالفاً لقناعة المواطنين.

التقيت بعد انتخابات 1943 في المجلس النيابي بالنائب عبد الحميد طباع من أعضاء الجمعية الغراء الذي نجح عن دمشق بقائمة شكري القوتلي، وكان يبدو عليه إنه لم يكن يعرف حقيقة آرائي واتجاهاتي، وإنه أنس بي وأحبني، وقد حدثني ذات يوم بما يشبه الاعتراف بأن الجمعية الغراء وشكري القوتلي كانوا من المحرّضين على اغتيال الشهبندر، فلم أشأ أن استوضحه، ولا أدري إذا كان في كلامه شيء من التحذير لأنه أردف ذلك بقوله:

إن الدكتور الشهبندر كان رجلاً ملحداً وداعية للسفور وعندها آمنت بصدق حدس الجمهور وأن المحكمة الفرنسية أسدلت الستار على الدافعين لارتكاب هذه الجريمة باستغلال الدين، وباسمه، لاغتيال شيخ الثائرين، الخطيب المفوه، ورجل العلم والثقافة والشجاعة، بواسطة ثلاثة مجرمين ” أفيَنهم” المشايخ باسم الدين.. الذين قال عنهم عمر أبو ريشة في حفلة تأبين الشهيد الشهبندر.

وإذا شـيبة الجـهـاد خضـيـب     تــحــت أقدامهم فيا للعار
ومن المبكيات أن تقتل الأحـرار         في غيــر ملـعــب الأحــــرار

يتبع –

شمس الدين العجلاني – أثينا

alajlani.shams@hotmail.com

الازمنة – شام تايمز

لتبقون على تواصل دائم معنا والاطلاع على أهم الأخبار تابعونا على الفيس بوك عبر الضغط على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/pages/chamtimes.com

شاهد أيضاً

أطباء سورية هاجروا عالصومال لـ “معيشة أفضل”!

شام تايمز – متابعة كشف نقيب الأطباء “د. كمال عامر” مؤخراً عن هجرة أطباء سوريين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.